يعرف العالم الغربي، والعالم عامة، أزمة اقتصادية مفتوحة منذ عام 2008. انفجرت تلك الأزمة انطلاقاً من الولايات المتحدة الأميركية. ولا تزال آثارها تتفاعل حتى الوقت الراهن، من دون التوصل إلى معالجتها والخروج منها.
الأستاذ الجامعي والباحث الاقتصادي الفرنسي جان بول فيتوسي، يشرح أن هناك عوامل أساسية تؤدي إلى نوع من حالة عدم وضوح الرؤية تجعل من الصعب الخروج من حالة جمود في الغرب مستمرّة منذ أكثر من خمس سنوات، مع ما يترتب على ذلك من تعاظم ظاهرة البطالة وزيادة هشاشة شرائح متزايدة في مختلف المجتمعات المعنية وتقهقر أوضاع الطبقة المتوسطة التي تشكل أحد محركات النهوض والازدهار. هذه المقولات كلها تجد مكانها في كتاب جان بول فيتوسي الذي يحمل عنوان "نظرية مصباح الشارع".
في هذا الكتاب يدعو المؤلف قارئه إلى نوع من الرحلة في مختلف المراحل والمظاهر التي تعاقبت على خلفية أزمة خريف عام 2008. ويحدد عدداً من الأزمات التي عانت منها المجتمعات الغربية واقتصادها، وعلى رأسها أزمة النظرية الاقتصادية والأزمة المالية العالمية والأزمة المصرفية البنكية- وأزمة الديون السيادية الأوروبية. وأخيراً، أزمة منظومات تقييم الأزمة.
وفي كل الحالات، يحدد المؤلف قاسماً مشتركاً، يلعب دوراً كابحاً للفكاك من براثن الأزمة. وهي أننا نواجه المستقبل وأنظارنا معلّقة على أنوار تأتينا من الماضي. ثم يؤكد مباشرة، أنه، "لا يمكننا أن نجد شيئاً تحت تلك المصابيح التي لا تضيء على الزمن الحاضر".
ويشرح أن مختلف النظريات الاقتصادية المطروحة أثبتت الوقائع بطلانها مرات عدة، كما أن السياسات التي تتأتى منها أي النظريات المطروحة- وتحدد أهدافاً على ضوئها، مثل استقرار الأسعار والتغلب على مشكلة الديون، لا تسمح في فهم الواقع ولا في الاستجابة لاحتياجات السكان.
يسأل المؤلف: "هل يمكن لإجمالي الإنتاج الداخلي أن يقيس مدى أهميته بالنسبة للسكان؟". ويبين أنه لا يمكن لهذا الإجمالي أن يأخذ باعتباره نسبة الأغنياء والفقراء في المجتمع المعني. لكن "مصباح الشارع" الذي لا يضيء سوى رقعة صغيرة محدودة تقع تحته، ونظرية المصباح هذه يمكن تطبيقها على إجمالي الإنتاج الداخلي الذي تسلط الأضواء عليه، وعليه فقط. والتصنيفات المعمول بها على الصعيد العالمي لا تأخذ باعتبارها سوى هذا الإجمالي ومعدّل النمو الاقتصادي.
ويبين المؤلف أن حالة من الاستياء العام تسيطر على شرائح واسعة من البشر في السياق الراهن. لكن هناك أقلية من تحظى بمكاسب استثنائية، إذ أن البعض منهم يقترح التخلّي عن بعض امتيازاتهم. ذلك على خلفية الخوف من عدم إمكانية المحافظة على استقرار المنظومة القائمة. وفي كل الحالات هناك نوع من اختزال فهم العالم إلى مجموعة من الأطر المحدودة، تبعاً لاختلاف المصالح. وهكذا لم نعد نفهم المجتمع، والمجتمع لم يعد يفهم حكوماته.
وفي المحصلة، يرى المؤلف أن الأنظار غدت موجهة "بشكل حصري"، إلى حد كبير، نحو أهداف محددة على طريقة "مصباح الشارع"، بحيث انه لا يُرى في عملية التقشّف سوى آثارها على "رقم العجز العام"، وليس آثارها الأكثر أهمية على ظواهر البطالة والتفاوت الاجتماعي وفرص العمل والاستثمار. هذا في الوقت الذي تمثل فيه هذه الأمور كلها، عوامل التأثير الحقيقية على بناء المستقبل.
في هذا الكتاب يشرح مؤلفه ما يرى أنه الأسباب العميقة التي جعلت الأوضاع في مجتمعات ما بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى، تصل إلى ما وصلت إليه، كما يحاول أن يقدم ما يعتبره "مفاتيح المستقبل".
المؤلف في سطور
جان بول فيتوسي. أستاذ في كلية العلوم السياسية في باريس، وأستاذ في جامعة روما. وعضو في "مركز الرأسمالية والمجتمع" التابع لجامعة كولومبيا.من مؤلفاته العديدة: زمن عدم المساواة الجديد، سياسة العجز.
الكتاب: بنظرية مصباح الشارع
تأليف: جان بول فيتوسي
الناشر: لوليان كي ليبير - باريس- 2013
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Le théorème du lampadaire
Jean Paul Fitoussi
Le Lien Qui Libère - Paris- 2013
224.p
