"الجار قبل الدار"، هذا مثل شائع معروف، ذلك أنه يمكن للجيران أن يضيفوا شيئاً جميلاً للحياة، لكن بإمكانهم أيضاً أن يجعلوها جحيماً. الباحثة البريطانية المتخصصة بتاريخ الضجيج، تكرس كتاباً لـ"تاريخ الجيران"، تحت عنوان "جنباً إلى جنب".

وتشير المؤلفة أولاً إلى وجود سلسلة طويلة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية والكتب والمقالات، التي أثارت اهتمام عشرات الملايين في العالم، وتدور كلها حول موضوع واحد ه: الجيران. و"العقدة" في الغالبية العظمى منها، تتمثل في خلافات حول موضوع: الحدود.

 أو بسبب الضجيج أو عدم احترام القواعد ومراعاة حسن الجوار... وهناك قصص كثيرة لا بد من أن تتكرر منذ أن بحث الإنسان عن "ملجأ يأوي إليه"، ووضع نفسه بالتالي، محاطاً في أغلب الأحيان، بعدد من الجيران، القريبين أو البعيدين.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تتعرض لمفهوم الجيران بالمعنى العريض والواسع للكلمة، فإنها تركز خاصة على "تاريخ الجيران" في بريطانيا، بلادها، على مدى القرون التسعة المنصرمة. وتبيّن كيف أن العلاقات بين الجيران تطوّرت وتبدّلت خلال مرور الزمن. وطال هذا التطور والتبدّل مختلف نواحي الحياة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن ذلك لم يكن بعيداً في واقع الأمر عن مسيرة التطور الإنساني والتقدم التكنولوجي.

ومن خلال العلاقة بين الجيران، تتعرّض المؤلفة إلى بعض المظاهر التي لا تخضع لما هو مباشر بينهم. وتقدم المؤلفة نوعاً من "التاريخ الاجتماعي" عبر تطور العلاقات بين الجيران.

وتخلص المؤلفة في النتيجة إلى أنه في ظل غياب أية روابط مسبقة للقرابة أو أية عوامل أخرى، ربما ينتهي الأمر بالجيران، إمّا إلى الخصومة والشجار، وصولاً إلى ارتكاب "جرم القتل" أحياناً، أو ربما أنه يحدث التزاوج بين أبناء الجيران وتتعمق العلاقات الإنسانية بينهم. وتشير المؤلفة إلى أن رودلف تشرشل، ابن ونستون تشرشل، وقع في غرام جارته ، ودبليو جونس مبدع سلسلة بيغنز لروايات المغامرات عام 1932، طلّق زوجته ليتزوج ابنة الجيران.

ما يمكن قوله إن هذا الكتاب عن "تاريخ الجيران"، هو في واقع الأمر أبعد من هذا بكثير. ذلك أنه عمل عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الغربية عامة والمجتمع البريطاني خاصة.

وأيضاً عن صعود حركات الدفاع عن حقوق المرأة وعن التطور الصناعي والتكنولوجي وبناء شبكة السكك الحديد والحروب ونمط العمارة. هذه الأمور كلها كان لها تأثيراتها المباشرة والعميقة أحياناً، على العلاقات بين البشر المعنيين وبالتالي على العلاقات بين الجيران. وفي كل الحالات، كان الضجيج هو السبب الرئيسي للخلافات بين الجيران.

وتشرح المؤلفة أن ظهور "مشكلة الجوار"، تعود في أوروبا إلى القرن الرابع عشر، مع انتشار ظاهرة "السكن في الجوار القريب". ثم تعقّدت المشكلة أكثر فأكثر، رغم اختراع "المراحيض الخصوصية" في سنوات الثمانينات من القرن التاسع عشر.

وتلفت إلى أن كلمة "جار" ظهرت عندما عرفت الأرياف وضع سياج حول قطع الأرض، للدلالة على ملكيتها والمستفيدين من استغلالها. كما عنت كلمة "جار" بداية، ذلك الذي كان "يحرث قطعة الأرض المجاورة". أما اليوم فأصبحت واسعة الدلالة لتشمل "حتى من يجعل حياتنا جحيماً".

 المؤلف في سطور

 ايميلي كوكاين. مؤرخة في التاريخ البريطاني الحديث. باحثة متخصصة في "تاريخ الضجيج". إذ قدّمت العديد من المساهمات حول الموضوع. وهي أستاذة في جامعة "انجليا" الشرقية البريطانية، إحدى أهم الجامعات في العالم.

 الكتاب: جنباً إلى جنب، تاريخ الجيران

تأليف: ايميلي كوكاين

الناشر: بودلي هيد- لندن 2012

الصفحات: 273 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Cheek by jowl : a history of neighbours

Emily Cockayne

The Bodley Head- London ذ 2012

273 .p