يعيش العالم، حالياً، عصر الثورة الرقمية، بعد أن كان قد عاش عصر الثورة الصناعية الكبرى، ومسيرة هذا العالم مرهونة إلى حد كبير بمسار تطور العلوم والتكنولوجيات. مؤرّخ العلوم البريطاني الشهير دافيد ادغرتون، يكرّس عملاً أخيراً له للبحث عن «دور التكنولوجيا في تاريخ العلوم»، كما جاء في العنوان الفرعي الذي يحاول المؤلف أن يجيب على سؤال «ما الجديد؟»، كما يقول عنوانه الرئيسي.
هذا كتاب عن العلاقات بين التقنية والمجتمع. من المعروف أن هناك الكثير الذي قيل عن أن للتكنولوجيات دوراً عميقاً في تطور المجتمعات. والمؤلف يريد القيام بنوع من عملية «إعادة تقييم» هذا الدور
. إنه يشير بداية إلى العديد من المخترعات الجديدة الحديثة التي غيّرت من نمط حياة البشر مثل الأجهزة الإلكترونية المختلفة ومختلف ثمرات الثورة الرقمية والطائرة وأسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من اختراعات العصر الحديث. لكنه يشير مباشرة أيضاً أن هناك عدداً كبيراً من التكنولوجيات «المرئية بدرجة أقل» وأنه ينبغي أخذها بالاعتبار. لكنها ليست أقل أهمية، وتجد منشأها في مختلف مناطق العالم.
ويشير المؤلف إلى أنه لا شك أن المهتمين من الاقتصاديين، وإلى المتخصصين في مسائل البيئة ومن علماء الآثار إلى المؤرخين، لهم آراء مختلفة، عن الواقع المادي الذي يحيط بنا وعن مسار تطوره. مع ذلك تبقى النقاشات حول ماضي التكنولوجيات وحاضرها ومستقبلها، رهن احتكار مروّجي التقنيات الجديدة في أغلب الأحيان.
ويشرح المؤلف أن الخطاب السائد حول التكنولوجيا، يتركز حول مسألتين أساسيتين: التجديد والمستقبل. وذلك في سياق مستمر منذ عدة عقود من الزمن، حيث إن كلمة تقنية مرتبطة بشكل وثيق، مع مفهوم «اختراع فكرة جديدة» ومع التجديد، أي «استخدام أول لفكرة جديدة».
والتركيز عبر هذا على مسائل البحث والتطوير والحصول على براءات اختراع من أجل استغلالها اقتصادياً في المنظور القريب. من هنا أيضاً، يركّز تاريخ العلوم على تواريخ بروز «الأفكار الجديدة» وترجمتها إلى تجديد صناعي، أو غيره. ومن هنا مثلاً، التركيز على أهمية اختراعات متنوعة، شهدها القرن العشرين، تبدو بمثابة «نقاط علاّم» في تاريخه.
ذلك مثل اختراع الطيران عام 1903، والتوصل إلى اختراع الطاقة النووية، بعد سلسلة طويلة من الأبحاث حول اليورانيوم وصفاته الانشطارية، عام 1945، واختراع حبوب منع الحمل في المجال الطبّي عام 1955. ثم كان الاختراع الكبير لـ«الإنترنت» عام 1965.
السمة التي يؤكدها الكتاب، في مسار التاريخ الحديث، تتمثل، كما يتردد في القاموس العلمي، بـ«سرعة التبدّل» وفرض الجديد لنفسه. هذا إلى جانب نوع من الاتفاق العام على أن التكنولوجيا أدخلت العالم في حقبة جديدة. هذه الحقبة الجديدة تتمتع بـ«اقتصاد جديد» و«أزمنة جديدة»: أزمنة «ما بعد الصناعة» و«ما بعد الحداثة».
من الأفكار التي تتردد في الكتاب، التأكيد على أن «الحروب» أحد معايير الدلالة على تقدم التكنولوجيات. فاعتباراً من الحرب العالمية الثانية زادت وتيرة البحث وتعددت برامجه، ما أثمر سلسلة من المخترعات الجديدة «الحربية»، مثل الرادار والصواريخ الحديثة والحاسوب والقنبلة النووية (الذريّة). لكن المؤلف يرى أنه من الخطأ الفادح، المبالغة في قيمة هذه الاختراعات.
واستناداً إلى العديد من الإحصاءات وآراء المتخصصين، يصل المؤلف إلى القول إنه ينبغي التوقف عن الأخذ بالفكرة القائلة إن للتقدم التقني مساراً خطياً ترسمه الثورات الكبرى. وهو يعيد خطأ هذه الفكرة إلى أنها تطمس الكثير من العلاقات المعقّدة التي تقدم بين الأدوات، ثمرات التقنية.
وبين أولئك الذين يستخدمونها. ثم إن تمجيد الثورات العلمية والتقنية الكبرى، يدفع إلى النسيان، عدداً من التكنولوجيات الجديدة، رغم أهمية الدور الاجتماعي الذي كانت قد لعبته في سياق اختراعها. ثم، إذا كان قد جرى اختراع «قطار السرعة الحديثة»، فإن السكك الحديد التي تستخدم في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. وإذا كان مؤلف الكتاب يؤكّد أهمية التجديد التقني، فإنه يدعو بوضوح إلى تبنّي «طريقة جديدة» في التفكير بدور التكنولوجيا في رسم وتطوير تاريخ العالم.
ويلفت المؤلف إلى أن مثقفين وباحثين كُثيرين، يقولون بـقدوم نمط جديد من المستقبل في حقبة «ما بعد الحداثة». لكنه يؤكد بالمقابل، أن هذا المستقبل الجديد ينبغي أن يولد من ثورة تقنية أو صناعية، على الطريقة القديمة حيث إنه تغيّر كل شيء.
المؤلف في سطور
دافيد أدغرتون، مؤرخ للعلوم. يحظى بشهرة عالمية. مؤسس ومدير «مركز تاريخ العلوم والتكنولوجيات والطب» في المعهد الملكي البريطاني في لندن.
الكتاب: ما الجديد؟ عن دور التكنولوجيا في تاريخ العالم
تأليف: دافيد ادغرتون
الناشر: سويل- باريس- 2013
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Quoi de neuf
David Edgerton
Seuil - Paris- 2013
320 .p

