يقدم ريمي دوشين، القاضي السابق، والمستشار لدى المفوضية الأوروبية، كتاب «رصيف الآداب»، تكريماً لوالده روجيه دوشين الذي كان قد قدّم كتباً عدة عن الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر، وكذلك عن مدينة مرسيليا «مدينته بالتبنّي»، مثل ما كان يردد باستمرار.

«رصيف الآداب» المقصود إذاً، هو مدينة مرسيليا الفرنسية، على الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، والتي اشتهرت كأحد أهم مرافئ هذا البحر منذ الأزمنة القديمة. لكنها كانت أيضاً المدينة التي قدم إليها الكثير من الكتّاب والمبدعين الكبار، الذين ليس أقلّهم شهرة أندريه مالرو وألبير كامو. ويحدد المؤلف الفترة التي يدرسها عن «مرسيليا والأدب»، في النصف الأول من القرن العشرين 1900-1950.

يبحث ريمي دوشين عن كل ما كُتب عن مدينة مرسيليا، خلال فترة 1900-1950. وذلك في الشعر والرواية واليوميات وأدب الرحلات والمراسلات. وهو يؤكد أن هذه المدينة المولودة بين البحر والهضاب، كانت ممراً إجبارياً، منذ أن أعلنت عن نفسها كـمرفأ مفتوح على العالم. مرسيليا «الغالية على قلب» جاك بريل، كما يكتب المؤلف، الذي يبين أنها أيضاً «غالية على قلبه»، حيث أمضى فيها سنوات شبابه.

ويريد المؤلف، كما يوضح، أن يبحث عن رائحة مرسيليا، في كل ما قيل وكُتب عنها. ونقرأ مما كتبه هو نفسه: «في هذا المهد العريق تبرعمت أحلام التحرر التي دغدغت مخيلة السرياليين وأحلام المجد لدى جميع الفنانين. وأحلام الحب لدى الشعراء وأحلام الهروب لدى الرحّالة وأحلام السعادة لدى أولئك الذين قسا عليهم الزمن».

كان الشاعر والروائي الكبير فيكتور هيغو، صاحب «البؤساء» قد كتب عن مرسيليا ما مفاده: «إنها ــ مرسيليا ــ كومة من البيوت تحت أشعة الشمس الجميلة..». إن مؤلف هذا الكتاب يعترض على اختزال مدينة أحلام طفولته على ذلك فحسب، فكما يراها «المدينة ــ المرفأ الزاخرة بالتاريخ وبالحكايات».

ويجدها غوستاف فلوبير «مدينة شرقية». فـ«فيها يشعر المرء بشيء ما شرقي لا أعرف ما هو. وفيها يسير المرء على سجيته ويستنشق الهواء بسعادة، ومسام الجلد تتفتح وتمتص أشعة الشمس، وكأنها تتمتع بحمّام من الضوء».

ومن سمات مدينة مرسيليا، أنها «مدينة المنفيين»، طبقاً للمؤلف.

وإذا كان الكثير من الرجال، «الكتاب والأدباء والفنانون»، قد قدموا إلى مرسيليا، مروراً أو عبوراً لفترة قصيرة، أو إقامة، فإنها أيضاً المدينة التي كتبت عنها نساء شهيرات من مختلف المشارب، مثل جورج ساند وفلورا ترسيتان وسيمون فيل وسيمون دوبوفوار.

وما قاله «شوبنهاور» أكده قبله غوستاف فلوبير، أن «مرسيليا مدينة جميلة منازلها الكبيرة التي تشبه القصور». هذا قبل أن يشبهها بـ«الإسكندرية في العصور الوسطى»، أو «بابل بالنسبة لكل الأمم».

ويضيف: «يسمع المرء في مرسيليا مئات اللغات غير المعروفة، السلافية والسنكريتية (...) واللغات التي يتحدث بها أبناء بلدان الجنوب. إن الكثيرين نزلوا على هذا الرصيف الذي ينعم بالشمس الدافئة». كذلك الصحافي البريطاني ألبير لوندر، الذي تُمنح باسمه اليوم أهم جائزة صحافية على الصعيد الأوروبي كله، كان قد زار مرسيليا عام 1927.

أما بليز سندراس، فكان قد قرر أن يضع حداً نهائياً لترحاله عام 1940، كي يقيم في مدينة بروفانس، قرب مرسيليا التي يكتب عنها: «مرسيليا هي مدينة كالتي يعشقها قلبي، وهي اليوم العاصمة القديمة الوحيدة التي لا تسحقنا بنصبها التذكارية التي تحكي عن ماضيها». ثم لا يتردد في وصف مرسيليا بأنها «أحد أهم الموانئ في العالم».

ويختزل الكتاب والروائي الفرنسي هنري دومنترلان، سرّ مرسيليا الكبير: «مرسيليا هي المدينة التي ألقيت أول نظرة واعية لي على العالم وعلى الحياة».

 المؤلف في سطور

 ريمي دوشين، خريج مدرسة الإدارة في فرنسا. عمل خبيراً في مجال مكافحة المخدرات، ثم قاضياً في مدينة ليون، ومستشاراً لدى المفوضية الأوروبية.

 الكتاب: رصيف الآداب

تأليف: ريمي دوشين

الناشر: لا تيس- باريس- 2013

الصفحات: 450 صفحة

القطع: المتوسط

Lembarcadère des lettres

Rémi Duchène

J C Lattes - Paris- 2013

450 .p