اشتهر الصحافي البريطاني آلان روزبريدجر، بصفته رئيس تحرير صحيفة الغارديان اللندنية. لكن مهنة الصحافة التي مارسها طيلة مساره الوظيفي، ترافقت مع هوايته في العزف على البيانو. وأمضى 18 شهراً كاملة وهو يكرر، مرّة بعد أخرى، محاولاته التوصل إلى عزف المقطوعة الموسيقية: "
اللحن الأوّل"، للمؤلف الموسيقي الشهير فريديريك شوبان. والمعروف عنها أنها في غاية الصعوبة. وعن تلك التجربة يقدم كتاباً تحت عنوان "العزف مرة أخرى"، وربما بدقة أكثر: "أعزفها مرة أخرى"، مع عنوان فرعي له دلالته، جاء فيه: "عازف من الهواة أمام المستحيل".
يشرح المؤلف كيف هو الانزلاق، واقعياً، من الهواية، وأحياناً من الفضول، إلى نوع من الإدمان. وهكذا وجد نفسه بحاجة الى البحث عن بيانو حيث ما كان عمله المهني- الصحافي، يستوجب منه أن يتواجد، ثم التأكيد أن تلك الهواية جعلته يتحمّل الشحنة الانفعالية التي عاشها، بسبب توجيه العشرات من رسائل "إنهاء الخدمة" لعاملين في صحيفته. والتأكيد في السياق نفسه، أن الجلوس إلى الموسيقى، حرره، ذلك عبر الابتعاد عن أجواء المؤتمرات والندوات حول مستقبل وسائل الإعلام في عصر الثورة الرقمية.
لعلّ من أهم ميزات الكتاب، أن مؤلفه يتوجه الى قلوب القراء ومشاعرهم وأحاسيسهم، التي نتناغم أكثر فأكثر مع عالم الموسيقى. ويشير بأشكال مختلفة، إلى أن تجربة عزف موسيقى شوبان، قرّبته من "عالم الروح" وأبعدته بالمقابل، عن عالم العقل. وهناك درس كبير تعلّمه عبر ذلك، كما يقول، وهو أنه لم يكن الهاماً، التوصل إلى عزف المقطوعة الصعبة.
ولكن كان الإصرار على التوصل لذلك. بمعنى آخر، امتلاك إرادة القيام بعمل شيء ما هو في غاية الصعوبة، هذا فضلاً عن أنه يبدو بدون فائدة مادية- تقريباً. كذلك، امتلاك شجاعة مواجهة الفشل المستمر، مرة بعد أخرى، ثم الشروع بالعزف من جديد.
يؤكد المؤلف أنه كان يراقب باستمرار، الصحافي الموجود في داخله، ويقارن بين الجلوس وراء طاولة المكتب وبين الجلوس على كرسي البيانو.
ويبين أنه لم يكن هناك، طيلة 18 شهراً أمضاها في تعلّم عزف مقطوعة شوبان الموسيقية، ما يمكن أن يلهيه عن مهمته. إنه يصف تلك اللحظات التي كان يبحث فيها عن مخزن للأدوات الموسيقية بالقرب من مكان انعقاد مؤتمر حزب العمال البريطاني في مانشستر. أو عندما كان في ليبيا بمهمة تتعلق بالتفاوض حول إطلاق سراح أحد الرهائن من العاملين في صحيفته، الغارديان. فهناك وجد في طرابلس، بيانو في أحد الفنادق، حيث مارس العزف بانتظار، وعلى أمل إطلاق سراح ذاك الصحافي.
تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب يشرح بأشكال مختلفة، كيف أن الثورة الرقمية وثمرتها الكبرى، المتمثلة بشبكة الانترنت، غيرت كثيراً من عالم الصحافي الهاوي والموسيقي الهاوي. ويذكر أنه رأى على "اليوتيوب"، طفلاً يابانياً في حوالي العاشرة من عمره، يعزف بـبراعة، مقطوعة شوبان.
هذا قبل أن يؤكد، أنه "لا شيء هو من المستحيل" أمام الهاوي الحقيقي. ويشير هنا إلى ذلك الشاب المدعو ستيفن، الذي عزف للمرة الأولى في أحد بيوت شمال لندن، المقطوعة الأولى من موسيقى شوبان. إذ ساد الصمت عندما أنهى العزف، ثم انطلق التصفيق. ويومها قرر رئيس تحرير الغارديان، أن يبدأ تعلّم عزف المقطوعة لمدة 20 دقيقة يومياً، ولشهور طويلة.
ويذكر المؤلف أن سنة تعلّمه العزف، كانت أيضاً، زاخرة بالأخبار والأحداث التي لم يكن أقلها الربيع العربي أو تسونامي اليابان ووثائق ويكيليكس واضطرابات صيف 2011 في بريطانيا، كما يقول.
إن الكتاب، يمثل أيضاً، مؤلفاً موسعاً في الموسيقى، تقنية وتعلّماً، وعودة إلى العلامات الموسيقية. إذ يبدو أحياناً أنه من الضروري امتلاك المهارة تلك، التي تخص مقطوعة شوبان المعنية عند القراءة. وينطلق المؤلف في معالجته للمسألة التقنية في العزف على البيانو، من الصفر. إذ يقدم المعلومات الضرورية في أقصر زمن ممكن. وينتهي آلان روزبريدجر، إلى القول انه "تعلّم في النهاية"، عزف المقطوعة الصعبة، وأصبح قادراً على عزفها.
المؤلف في سطور
آلان روزبريدجر. رئيس تحرير صحيفة "الغارديان" البريطانية. حصل على شهادة الدكتوراه الفخرية عن جامعة لنكولن عام 2009 . ومن جامعة كينغستون عام 2010.
الكتاب: العزف مرة أخرى
تأليف: آلان روزبريدجر
الناشر: جوناتان كيب- لندن 2012
الصفحات: 416 صفحة
القطع: المتوسط
Play it again
Alan Rusbridger
Jonathan Capeذ London ذ 2012
416 .p
