تفتخر فرنسا أنها بلد التنوّع والتعدد الثقافي.لكن التعبير عن هذا التنوّع والتعدد في المشارب الثقافية لا يجد سبل التعبير عنه بالنسبة لمجموعات عديدة من المهاجرين. هذا ما يشرحه عالم الاجتماع الفرنسي هوغ لاغرانج في كتابه الصادر قبل أسابيع تحت عنوان:" في أرض أجنبية".

ويدرس المؤلف فيه الصعوبات التي تواجهها بعض المجموعات من الأجانب والفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية، في إيجاد مكان لهم في النسيج الاجتماعي الفرنسي. وهو يدرس هذا الأمر من خلال التعرّض لحالة عيانية محددة تخص المهاجرين القادمين من منطقة نهر السنغال ـ المعروفة ببلاد الساحل ـ والمقيمين في المنطقة الباريسية الذين تركوا بلادهم بأغلبيتهم في سنوات السبعينات والثمانينات.وهذا ما يعبر عنه العنوان الفرعي للكتاب الذي جاء فيه :"حياة المهاجرين من بلدان الساحل الإفريقي في المنطقة الباريسية".

إن شهادات كثيرة للمعنيين قام المؤلف بجمعها ورأى أنها تعبّر بشكل واضح وصريح عن الصعوبات والآلام التي تترتب على الاستيطان في محيط "معادٍ" لما هو أجنبي. أمّا المشاكل الأساسية التي تواجههم في بلد الهجرة فتتركز حول مسائل التربية على الصعيد المدرسي وداخل الأسرة وعلاقات أفردها فيما بينهم حيث يبرز بوضوح "صراع الأجيال" مما يؤدّي في بعض الأحيان إلى "تفجّر الأسرة".

و يولي المؤلف أهمية خاصّة لدراسة الشهادات التي قدّمها أهالي "أبناء الهجرة"،أي جيل الآباء من أولئك الرجال والنساء الذين غادروا إفريقيا للعيش في فرنسا، حيث كانوا بمعظمهم من مواطني المستعمرات الفرنسية السابقة.

ويبن أن الرجال قدموا أوّلا في سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات كيد عاملة ..جاؤوا وحدهم أوّلا ثم استقدموا نساءهم وأطفالهم . لكن جيل الآباء ، على عكس جيل الأبناء ، لم يعرف مشاكل البطالة بل من انغلاق الأفق بسبب نقص التأهيل المهني. وهذا إلى جانب التطلّع باستمرار للعودة إلى إفريقيا والعيش فيها ، ذلك على اعتبار أنها أرض الأجداد . والإشارة إلى أن الكثير منهم يقدّمون مساعدات في عدة مجالات .

لكن الأمر مختلف إلى حد كبير بالنسبة للنساء، اللواتي تتجه أنظارهن ومشاريعهن للبقاء في فرنسا، حيث يوجد الأبناء وحيث ان مستقبلهم هو في فرنسا وليس في بلدانهم الأصلية التي لا يعرفونها عمليا. بالتالي تعيش النساء "تمزقا حقيقيا" بين رغبة التواصل وعدم القطيعة مع جذورهن الإفريقية وبين البقاء بالقرب من أولادهن .

ويحدد المؤلف القول ان ما فاجأه كثيرا، هو واقع عدم وجود أي تواصل بين المهاجرين الإفريقيين المقيمين في المنطقة الباريسية وبين الفرنسيين من أبناء البلاد الأصليين. هكذا يبدو أن المهاجرين والفرنسيين الأصليين يعيشون في عالمين متوازيين. ولا يلتقيان إلاّ على صعيد بعض المناسبات العابرة .

ويرى أن عمق المسألة يعود الى نوع من مشاعر التمييز التي تسود في المجالات الاجتماعية الفرنسية، وأن مسؤولية ذلك تعود على أبناء البلاد أكثر من عودتها على المهاجرين. والإشارة مباشرة أن هذا الواقع لا يرجع إلى دور المؤسسات الرسمية الفرنسية ولكن إلى وجود نسبة ليست كبيرة بين الفرنسيين تريد تقاسم مجالات الحياة مع أولئك البشر .

إن المؤلف يستخدم في هذا الكتاب جميع الأدوات التي يمتلكها كعالم اجتماع لنقل صورة تطابق إلى أبعد حد ممكن الواقع الذي يعيشه رجال هاجروا إلى فرنسا من بلدان الساحل الإفريقي في سنوات الستينات والسبعينات ثم تبعتهم نساؤهم بعد فترة ويعيش من لا يزال منهم على قيد الحياة مع أولادهم وأحفادهم.

ولا يتردد المؤلف في تأكيد القول بالمحصّلة ان المهاجرين من الساحل الإفريقي ـ خاصة من السنغال ومالي ـ جلبوا معهم إلى أوروبا العلاقات الاجتماعية التي عاشوها في إفريقيا. ذلك خاصة المكانة المتميّزة للرجال كما في بلدانهم الأصلية. هذا مهما كانت الأعمال التي يشغلونها متواضعة.

 المؤلف في سطور

 هوغ لاغرانج. عالم اجتماع فرنسي. درس الاقتصاد ونال الدكتوراه في العلوم السياسية. وهو مدير للدراسات في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.يساهم بالكتابة في العديد من المجلات، من بينها :مجلّة العلوم الإنسانية. وهو أحد مؤلفي كتاب "جمهورية الأفكار" .من أعماله: نكران الثقافات، امتحان عدم المساواة.

 الكتاب: حياة المهاجرين في المنطقة الباريسية

تأليف: هوغ لاغرانج

الناشر: سويل - باريس - 2013

الصفحات: 372 صفحة

القطع: المتوسط

En terre étrangère

Hugue Lagrange

Seuil - Paris- 2013

372 .p