أولئك الذين مارسوا في سنوات طفولتهم أو مراهقتهم، رياضة كرة القدم أو في الشوارع والساحات، يتذكّرون أن الجميع كانوا يريدون احتلال موقع في «خط الهجوم»، بحثاً عن فرصة إمكانية تسجيل الأهداف. وكان الجميع أيضا يتجنبون أن يكونوا في عداد المدافعين في الصفوف الخلفية لفريقهم، لكن لم يكن هناك من يقبل بسهولة أن يجد نفسه بين عارضتين في موقع «حارس المرمى».

الصحافي البريطاني المختص برياضة القدم جوناثان ويلسون، بعد أن قدّم عدداً من الكتب عن رياضة كرة القدم وعالمها، يكرّس الأخير منها لـ«قصة حراس المرمى»، تحت عنوان رئيسي هو «المنافس، ضعيف الحظ».

حارس المرمى، كما يقدم، هو إذن «لاعب ثانوي»، ولكنه في الوقت نفسه، اللاعب الأكثر عرضة لأكثر وأفدح أشكال النقد، بل والتجريح أحيانا. ذلك أن أخطاءه ربما تكون قاتلة بالنسبة لفريقه. إذ يحتمل أن تكون سببا في خسارته. وهو لا يتحمّل مسؤوليته أمام لاعبيه فقط ولكن أيضا أمام الرأي العام.

ويقدم المؤلف نوعاً من التأريخ لصورة «حارس المرمى»، منذ الحقبة الفكتورية في بريطانيا، حتى اليوم. ومن روسيا إلى الكاميرون. ومن عالم الكنيسة إلى عالم الأدب والسياسة، وأيضا من الرياضة إلى البعد التأملي والروحاني. هكذا يقول إن ما هو مشترك بين بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني وراعي الكنيسة الاسكتلندية، أنهما كانا يتقاسمان الاعتقاد ذاته. و

لكن أيضا أنهما كانا حارسين للمرمى في فترة من حياتهما. وكذلك كان كتّاب من أمثال الشاعر السوفييتي ايفيكيني ييفتوشنكو والروائي الفرنسي البير كامو ونظيره الأرجنتيني اوزوالدو سوريانو والأميركي ذي الأصل الروسي فلاديمير نابوكوف قد احتلّوا في فترة من حياتهم موقع "حرّاس المرمى" عندما مارسوا رياضة كرة القدم.

وفي عودة إلى الحقبة الفكتورية حكم الملكة فكتوريا- في بريطانيا، يحدد المؤلف القول ان القواعد والتقاليد في كرة القدم الحديث التي ظهرت آنذاك ولا تزال بأغلبيتها سارية المفعول حتى الوقت الحاضر، جرى تهميش دور حارس المرمى، معها، في أجواء الرجولة المعتمدة كإطار لممارسة اللعبة، بحيث كان التقدم إلى الأمام .

وتسجيل الأهداف يجلب المجد للاعبين، بينما لم يكن حارس المرمى يقوم سوى بـالحراسة"، كما تدل تسميته. وكان لا بد من انتظار نهاية القرن التاسع عشر حتى يُعطى حرّاس المرمى كامل الحقوق في ممارسة مختلف "الألعاب البهلوانية"، للإمساك بالكرة ومنعها من الدخول في المرمى.

 ومما يشرحه المؤلف أن الثقافات المختلفة تباينت نظرتها إلى "حارس المرمى". كذلك تباينت النظرة إليه من بلد إلى آخر. هكذا يشير مثلا إلى أن روسيا تنظر إليه بكثير من الاحترام، بينما تتم النظرة إليه في البرازيل واسكوتلندا على أنه مهرّج.

ويشير المؤلفان إلى أن حارس المرمى لم يكن يحظى بالحماية الفعلية في بداية ممارسة كرة القدم. إذ كان معرّضا لتلقي الضربات وصرعه أرضا وركله بالأقدام، من دون عقاب. وذلك حتى قبل الحرب العالمية الثانية وحتى بعدها.

ويجري توصيف "حارس المرمى"، على أنه غالبا مزاجي في ردود أفعاله. والمؤلف يرسم في هذا الإطار صورة بعض حرّاس المرمى الشهيرين.

ويحرص مؤلف هذا الكتاب على عدم التعميم في إطلاق الصفات على حرّاس المرمى، مؤكدا أن الروسي ياشين حارس المرمى الطائر، والإيطالي جيانلويغي بوفون والبريطاني جوي هارسا ليسوا من فئة الرومانسيين الذين يرون في حارس المرمى مثقفا من نوع ما.

بكل الحالات يؤكّد المؤلف أنه لدى حرّاس المرمى وقت أطول من بقية اللاعبين لـلتأمّل والتفكير. لكن هذا لا يعني أيضا أنهم ينتمون إلى جمهرة المثقفين الذين احتلوا ذلك الموقع في اللعب مثل فلاديمير نابوكوف وألبير كامو.

 المؤلف في سطور

 جوناثان ويلسون. صحافي بريطاني مولع بالرياضة، يسهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الانجليزية المختصّة. قدّم العديد من الكتب المكرّسة خاصة لرياضة كرة القدم. وهو ناشر مجلة فصلية أنشئت عام 2011، تحت عنوان "بليزارد" . من مؤلفاته: خلف الستار، رحلة في عالم كرة القدم بأوروبا الشرقية.

 الكتاب: المنافس، ضعيف الحظ- قصة حراس المرمى

تأليف: جوناثان ويلسون

الناشر: اوريون- لندن 2012

الصفحات: 368 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Outsider

Jonathan Wilson

Orion- London ذ 2012

368 .p