من يفقد ذاكرته يفقد معها هويته. فالذاكرة هي حامل الهوية، وكل إنسان يحتفظ بذاكرته بكل أحداث حياته ولا يريد أن ينسى أي شيء منها سوى الأكثر قسوة وإيلاماً. وليس من السهل أبداً معرفة كيف تعمل الذاكرة وكيف تُخرج فجأة من خباياها، بدون سبب ظاهر، هذا الحدث أو ذاك. ومؤرخة العلوم والطب الأميركية اليسون وينتر، الأستاذة في جامعة شيكاغو تكرس كتابها الأخير لـ«الذاكرة».

وهي تحاول فيه الإجابة عن أسئلة من نوع: هل يمكن الوثوق بما تقدمه الذاكرة للحكم على دقة الأحداث؟ وهل يمكن أن تخون الذاكرة وتقدم ذكريات ليست دقيقة؟ ثم أين تذهب التفاصيل الدقيقة العديدة التي لم يعد المعني بها يتذكّرها؟ هل هي مخبأة في مكان ما من دماغه أو هل اختفت مرة واحدة وإلى الأبد؟

بعد أن تشير مؤلفة الكتاب إلى أن مثل هذه الأسئلة شغلت العلماء والباحثين في هذا المجال منذ مئات السنين تشرح كيف أن الإجابات عليها تباينت، هذا لم تكن اختلفت، على مدى قرن واحد فقط. إنها تعود لتقصّي مسار التاريخ الثقافي والعلمي لآلية فهم الذاكرة.

وتقدم اليسون وينتر النتائج التي وصل إليها عدد من العلماء المجددين في مجال تفسير آليات عمل الذاكرة. وتشوق العديد من الأمثلة الحيّة على كيفية استخدام "الذاكرة" كوسيلة في إثبات، أو نفي، أي حدث من الأحداث.

هكذا تعود إلى قصة "ارتور نيب" الذي حمل بندقية في عام 1962 ودخل منزل زوجته السابقة وقتل الرجل الذي كانت تعيش معه. ووجّه القضاة له تهمة الاغتيال، لكنه زعم أثناء محاكمته أنه "فقد الذاكرة" و"لا يتذكر شيئاً" مما يُنسب إليه. كانت تلك وسيلة لـ"الدفاع عن النفس".

تشير المؤلفة أن القضاء الأميركي كان يسمح آنذاك بـ"التنويم المغناطيسي" كأحد التقنيات الطبية المشروعة قانونياً. وتحت التجربة أشار "نيب" أنه قتل عشيق زوجته السابقة، لكنه فعل ذلك بـ"دون إرادته". وبناء على ما أفادت فيه ذاكرته أصبح ينبغي التحقيق معه على أساس "جرم مخفف" على أساس أن فعل القتل الذي قام به "لم يكن إرادياً". ما نجم عن تلك القضية هو أنها برهنت على أن تأمين ظروف مناسبة وخبراء قادرين على استخدام تقنيات ملائمة، يمكن من "استرداد ذكريات لم يكن بلوغها ممكناً.

إن مثل هذه القضية تبرز أحد المواضيع الأساسية التي تناقشها المؤلفة على مدى فصول الكتاب. هذا الموضوع يخص "حالة التوتر" بين اعتبار الذاكرة وما تقدمه من معلومات، بمثابة "مصدر موثوق وحجة ذات مصداقية"، وبين اعتبار الذاكرة، والتعامل معها، على أنها "مصدر قليل المصداقية".

وتميّز المؤلفة حالة الذاكرة التي يمكنها أن تقدم معلومات في غاية الدقة مثل قولها إنها تعرف جيداً مثلاً، كيف أنها ذهبت البارحة لتناول الشاي مع أحد الزملاء وأنه هو الذي دفع الفاتورة. ولكن يمكنها أن تقدم معلومات "قابلة للنقاش".

ما تؤكده المؤلفة هو أن البشر يرغبون في التفكير أن ذكريات آلامهم ولحظات سعادتهم، إذ تشكل بمجملها شخصيتهم المعنوية. لكن هذا لا يأخذ كثيراً في اعتباره أن الذاكرة هي حصيلة تجربة تشابك فيها الظروف الاجتماعية والنفسية والثقافية. ولكن يبقى السؤال الكبير: كيف تمكن رؤية العالم إذا استطاع البشر استرداد ذكريات دفينة، مكبوتة، والحديث عنها، أو ربما عيشها؟

في الفصل الأخير من الكتاب، تبيّن اليسون وينتر كيف أن ما توصل إليه البحث في مجال الذاكرة، خاصة عبر ما يسمّى بالفيزيولوجيا العصبية، يهزّ الكثير من الأفكار السائدة حول ذكرياتنا، وحول مدى الألم الذي تسببه الذكريات المكبوتة، بل حول خطر كبتها.

 الكتاب: ذاكرة نتف من تاريخ حديث

تأليف: اليسون وينتر

الناشر: جامعة شيكاغو 2012

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

 

Memory

Alison Winter

Chicago University Press ذ 2012

336 .p