في كتاب "مذكرات"، تحت عنوان "في كواليس العالم"، يتعرّض الدبلوماسي والسفير الفرنسي السابق، جان مارك دولا سابليير، للحديث عن الكثير من القضايا والأحداث التي عاصرها، أو كان فاعلا فيها.
ويتطرق المؤلف بالتفصيل، إلى الفترة التي سبقت شن الحرب ضد العراق في عام 2003. إذ كان ممثلا دائما لبلاده، فرنسا، في الأمم المتحدة. ومن المعروف أن فرنسا كانت قد اتخذت موقفا مناوئا للحرب على العراق. وما يؤكده أنه لم يكن بمقدور فرنسا منع جورج وولكر بوش من شن الحرب على العراق.
وإذا كان مؤلف الكتاب يشير إلى أن فرنسا كانت تعتقد بامتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل، فإنه يؤكد في الوقت نفسه، على أن تقديراتها كانت متباينة إلى حد كبير، عن تلك التي كانت تروّج لها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا اللتين كانتا مصممتين على الإطاحة بالنظام العراقي السابق. ويؤكد المؤلف أن المعلومات التي كانت بحوزته كانت قد ولّدت لديه قناعة ثابتة، أن ذلك النظام لم يكن يطور برنامجا نوويا حقيقيا. لكن التساؤلات الحقيقية كانت تدور حول معرفة امتلاكه، أو عدم امتلاكه، لأسلحة كيميائية، خاصة أنه كانت قد استخدمت سابقا، ضد الأكراد في بلدة "حلبجة".
ويشرح جان مارك دو لا سابليير، بعد الإشارة إلى عمليات تدمير ترسانة الأسلحة غير التقليدية التي كان يمتلكها النظام، عقب غزوه للكويت، أنه كان لا يزال يوجد لدى النظام العراقي السابق، عدد محدود من الصواريخ ذات المدى المتوسط، التي لم تدمر. لكنها لم تكن مبررا كافيا لشن"حرب وقائية"، حسب القاموس الأميركي- البريطاني المستخدم آنذاك. هذا مع الإشارة الى أن العراق كان قد بدأ بالتعاون الحقيقي مع المفتشين الدوليين، إثر القرار الحاسم الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي، في شهر نوفمبر من عام 2002.
ويستعرض المؤلف، محاولات وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، دومينيك دو فيلبان، وخطابه الشهير الذي كان قد ألقاه أمام الأمم المتحدة. هذا بعد محاولاته إقناع نظيره الأميركي كولن باول، بـ"عبثية" تلك الحرب. ويكشف في هذا السياق، أن باول أبلغ دوفيلبان، بصراحة ووضوح، أن الرئيس جورج وولكر بوش، كان قد اتخذ القرار النهائي بشن الحرب.
ويلفت المؤلف إلى أنه، في مثل ذلك السياق، جاء خطاب دوفيلبان، الذي كان يدرك حقيقة الموقف الأميركي، لكنه أراد أن يجعل جميع بلدان العالم كشهود على موقف فرنسا الرافض للحرب ضد العراق..
والتأكيد أن فرنسا ذاهبة حتى النهاية، من أجل منع صدور قرار بالتدخل العسكري في العراق، باسم المجموعة الدولية الممثلة بمنظمة الأمم المتحدة. ذلك الموقف الفرنسي الحاسم في مواجهة التصميم الأميركي، الذي لم يكن أقل حسما، كان بمثابة الإعلان عن عملية "لي ذراع" حقيقية، بين الإرادتين، على المسرح الدبلوماسي الدولي.
يشرح الدبلوماسي السابق، أن الترجمة الواقعية للموقف الفرنسي دبلوماسيا، كانت في منع الأميركيين والبريطانيين من الحصول على تسعة أصوات مطلوبة لتمرير أي قرار دولي ملزم من مجلس الأمن الدولي. ومن خلال الرفض المضمون لكل من روسيا والصين وألمانيا، لإعطاء "الضوء الأخضر" للتدخل الذي كانت ترتسم معالمه بشكل واضح، كانت المنافسة تكمن في النجاح بإقناع ثلاثة بلدان أميركية لاتينية أو إفريقية، بعدم الموافقة.
ويوضح المؤلف أنه لم تتأخر واشنطن في توجيه موجة غضبها العارم، ضد العاصمة الفرنسية باريس. لكنها بعملها ذلك، جعلت البلدان الإفريقية وبلدان أميركا اللاتينية، تجد نفسها ليست وحدها بمواجهة الغضب الأميركي، بل ان فرنسا تتشارك معها في الجبهة نفسها. إذ رفض الأميركيون والبريطانيون اللجوء إلى الاقتراع في مجلس الأمن، على خلفية إدراكهم أنهم لا يمتلكون الأكثرية، حسبما يؤكد المؤلف. لكن الحرب قامت، رغم أن المفتشين الدوليين لم يجدوا أية أسلحة دمار شامل، ولا أي برنامج مهدد للآخرين.
الكتاب: في كواليس العالم
المؤلف: جان مارك دولا سابليير
الناشر: روبير لافون - باريس- 2013
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Dans les coulisses du monde
Jean-Marc De La Sablière
Robert Laffont - Paris- 2013
384 .p
