هناك أمم غنية وأخرى فقيرة. فما الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ثراء تلك وفقر هذه؟ وما آليات ثراء البعض وليس الآخرين؟ وماذا عن السر الكامن وراء الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين أوروبا وإفريقيا؟
هذه بعض الأسئلة التي يطرحها الاقتصاديان الأميركيان: دارون عاصم اوغلو وجيمس روبنسون، في كتابهما المشترك : "فشل الأمم". الذي يدور "حول أصول القوة والازدهار والفقر"- كما جاء في عنوانه الفرعي-. إذ يبينان ان المؤسسات القائمة تلعب دورا مركزيا يتركز
في اتجاهات خيارين وحيدين: إنتاج الثروة أو خلق العوز وتعميقه.
يفتتح المؤلفان كتابهما، بتقديم مثال مدينة نوغاليس، التي يفصل بين شطريها جدار. الشطر الشمالي يمثل الطرف الأميركي، اريزونا. والشطر الجنوبي يمثل الطرف المكسيكي، سونورا. فماذا يقول الواقع حول هذين الشطرين؟
يوضح مؤلفا الكتاب أنه على الجانب الأميركي، يبلغ متوسط دخل الفرد، مستوى أعلى بكثير من ما هو على الجانب المكسيكي، والأمر نفسه بالنسبة لمتوسط عمر الفرد. وفي المقابل، فإن الجريمة والفساد أقل "باختصار يبدو الجانب الأميركي أكثر قوة وازدهارا وثراء وأقل فقرا من ما هو قائم على الجانب المكسيكي.
وهذا المثال المحدد عن بلدة نوغاليس. وتباين الثروة بين شطريها هو حالة مصغّرة، عن مسألة حاول الاقتصاديون باستمرار، البحث عن فهم آلياتها وجذورها. بقصد التعرّف على الأسرار الاقتصادية التي تجعل بعض الأمم غنية جدا.
بينما تبقى أمم أخرى، أسيرة الفقر. ويشير المؤلفان، في هذا السياق، إلى أن بلادا مثل النرويج، هي الأكثر ثراء في العالم على أساس متوسط دخل الفرد فيها، الذي يبلغ 84290 دولارا، بينما بوروندي في إفريقيا، تمثل أكثر بلدان العالم فقرا، بواقع 170 دولارا كمتوسط دخل الفرد. وهذه الأرقام التي يقدمها البنك الدولي، تعني أن النرويج غنية أكثر من بوروندي بـ496 مرة. ويمثل البحـــث حول أسباب هذا الفارق الهائل، المحرّك الأساسي في تحليلات الكتاب.
يصل المؤلفان، في حالة نوغاليس، إلى تفسير الفارق بين ثراء الطرف الأميركي وفقر الطرف المكسيكي، بوجود مؤسسات نوعية متباينة في آليات عملها وإنتاجها والثورة التي تولّدها. ونقرأ: "إن السبب الذي يجعل نوغاليس، أريزونا، أكثر ثراء من نوغاليس سونورا- يكمن، ببساطة، في وجود مؤسسات مختلفة على جانبي الحدود، ما ولّد دوافع مختلفة بدورها، بالنسبة للسكان المعنيين على هذا الجانب وذاك".
ويحدد الباحثان، عددا من المواصفات الأساسية من أجل توفير حسن سير المؤسسات الاقتصادية، وتحسين ثروة الأمم. وعلى رأسها، تأمين الأجواء المناسبة للاستثمار والسيطرة على التضخم في الحدود التي لا تعيق النشاط الاقتصادي، وعدم فرض قيود على المبادلات التجارية. إلى جانب، قواعد أساسية تؤمّن حماية الملكية الخاصة
وهناك عوامل أخرى عديدة يذكرها المؤلفان على صعيد تشكّل ثروات الأمم، مثل: المناخ المعتدل. كما يبدو بوضوح من "الخارطة" التي ترسم للثروة في كل من القارتين الأميركية والإفريقية. ففي أميركا تتجمع الثروة أكثر في الولايات المتحدة وكندا "شمالا". وفي التشيلي والأرجنتين "جنوبا". والأمر نفسه بالنسبة للقارة الإفريقية.
وفي الصفحات الأخيرة، يتعرّض المؤلفان لدور المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية، في تشكّل الثروة. ويصلان إلى القول ان هذه المنظمات تحاول فبركة الازدهار بواسطة المساعدات، أو عبر فرض سياسات معينة على البلدان.. لكن، من دون نجاح.
المؤلف في سطور
يعمل دارون عاصم اوغلو، أستاذا في معهد ميزوشستا التقني الأميركي. وهو اقتصادي أميركي من أصل تركي. متخصص في المسائل المتعلقة بالتنمية.
اما جيمس روبنسون. فهو اقتصادي . يشتغل أستاذا في جامعة هارفارد. ومتخصص في قضايا إفريقيا وأميركا اللاتينية. يولي اهتمامه للتنمية السياسية والاقتصادية.
الكتاب: فشل الأمم، حول أصول القوّة والازدهار والفقر
المؤلف: دارون اسيموغلو، جيمس روبنسون
الناشر: كراون- نيويورك 2012
الصفحات: 546 صفحة
القطع: المتوسط
Why nations fail
Daron Acemoglu, James A. Robinson
Crown ذ New York ذ 2012
546 .p

