تجاوز الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير، إدغار موران سن التسعين، ولا يزال أحد المثقفين الفرنسيين الأكثر نشاطاً على الصعيد الفكري. وصدرت، أخيراً، مذكراته تحت عنوان «يوميات».
تتألف هذه اليوميات، من مجلّدين. يغطّي الأول فترة السنوات بين عامي (1962 ـ 1987). أما الثاني (1992 ـ 2010). وهناك بعض اليوميات التي كانت قد نشرت. ولكن الكثير من اليوميات في الكتاب، تقدم للمرّة الأولى، خاصة تلك التي في المجلّد الثاني.
تضم اليوميات تحليلات وملاحظات وتعليقات شخصية حول مواقف أو أحداث وتأمّلات، في شؤون السياسة والفكر والواقع الدولي. ويشير المؤلف إلى أنه بدأ كتابة يومياته عام 1962، أي عندما كان عمره يتجاوز الأربعين عاماً. ويبرر ذلك، أنه في ذلك التاريخ كان نزيل أحد المستشفيات في نيويورك. وكان مرضه خطيراً. وألحّت عليه فكرة التأمّل في مسيرة حياته، بكل منعطفاتها وتحولاتها العديدة، لاستخراج ما كان أساسياً، حسب رأيه، من أفكار.
ويلفت المؤلف إلى أنه تتابعت اليوميات في مجالات متعددة، بعد ذلك، مثل ما يسميه «الاكتشافات الجديدة» التي كان يصل المؤلف إليها، مع مسيرة حياته ورحلة البحث والتقصّي في الفكر وفي الواقع. كما تجد المشكلات العائلية والأزمات الشخصية مكانها في هذه اليوميات. عموماً، فإن هذه اليوميات، تشكل في الدرجة الأولى، شهادة شخصية لمفكر مهم، حول مرحلة كاملة من تاريخ بلاده ومن أحداث العالم وتياراته السياسية والفكرية.
وما يذكره إدغار موران، أن تجربته في الحزب الشيوعي كانت مخيّبة جداً لآماله. ذلك أن العلاقات في داخله كانت بعيدة جداً عن ممارسة الحدّ الأدنى من الحريّة. وأنه كان يكفي القول إن الحزب يطلب كذا، حتى يغدو على الحزبي تنفيذ ذلك، من دون احتجاج أو حتى إبداء أي رأي. ويشرح المؤلف في يومياته مسيرة انفكاكه عن الحزب التي جرت بصورة تدريجية.
ومما يؤكّده الفيلسوف وعالم الاجتماع، أن الثورات من النمط السوفييتي أو الماوي ـ الصيني، فشلت. وهذا الفشل قاده إلى التفكير بالبحث عن سبيل جديد للنهوض والتفتح الإنساني. ويركز موران على القول إن تجربته السابقة مع الفكر الشمولي ـ الشيوعي، جعلته شديد الحساسية حيال الحريات العامّة وحق التعبير عن الرأي.
ويرى أن جميع القوانين الكابحة للتعبير عن الآراء «السيئة»، هي أيضاً قوانين سيئة. وكذا يشدد على ضرورة البحث عن إجراء تبدّل حقيقي وعميق في الغرب، بحيث يكبح التوجّه المحتمل نحو كوارث محتملة، في ظل تدهور البيئة وتكاثر الأسلحة النووية وخلل الاقتصاد، المترافق مع هيمنة الأسواق المالية. ويخلص إلى أن الاحتمالات التي ترتسم في الأفق، تنبئ كلّها بالكوارث. لكنّ «ما هو غير محتمل، ممكن الحدوث غالباً».
ويشير المؤلف، بأشكال مختلفة، إلى أن الإنسانية تدرك للمرّة الأولى في التاريخ، أن كل البشر معنيّون بمشكلات مشتركة في جميع قارّات العالم. وبالتالي، ينبغي العمل من قبل الجميع، لتجنّب الكوارث التي يتجه نحوها الجميع. وفي مقدمة الأخطار، يحدد المؤلف: التدهور الكبير الذي تعاني منه البيئة، تعاظم ظواهر التزمت في مختلف مناطق المعمورة، فقدان الضوابط لتنظيم الاقتصاد، ارتباط العلم والتكنولوجيات بقوى عمياء إلى هذه الدرجة أو تلك.
ويشير إدغار موران إلى أن الحضارة الراهنة تعطي الأولوية لما هو «مباشر» وللتكنولوجيا في إطار الثورة الرقمية وتقلّص بالمقابل من معرفة الماضي و«تكريس الانتباه على الحاضر والمباشر يقود للنسيان».
ومن الأفكار التي تتردد في «يوميات» إدغار موران، قوله إن البشر محاطون بالأسرار. ويشير إلى أن الكارثة الكبرى في حياته، كانت وفاة أمّه، حين كان في العاشرة من العمر.
لمؤلف في سطور
إدغار موران من مواليد عام 1921 في باريس. فيلسوف وعالم اجتماع. اسمه الحقيقي إدغار نعوم، وأصبح موران خلال سنوات المقاومة ضد الاحتلال النازي. بدأ نشاطاته في إطار الحزب الشيوعي الفرنسي وتركه نهائياً عام 1951، ليصدر له عام 1959، كتاب تحت عنوان «نقد ذاتي»، عن قطيعته مع الشيوعية. حافظ باستمرار على موقف مبدئي طالب فيه بحق الفلسطينيين في التمتع بدولة مستقلّة.
بدأ منذ عام 1977 نشر سلسلة كتب تحت عنوان «طريقة البحث» من ستة مجلدات.
الكتاب: يوميات
المؤلف: إدغار موران
الناشر: سويل - باريس - 2012
الصفحات: 2475 صفحة - (مجلدان)
القطع: الصغير
Journal
Edgar Morin
Seuil- Paris- 2012
2475 pp.
