تختلف الآراء حول العولمة وآثارها، الإيجابية أو السلبية، على حياة البشر في العصر الراهن. والمحامية والأستاذة في «الكوليج دو فرانس» تبحث عن دور القانون في مواجهة آثار العولمة، في كتابها الأخير «المقاومة وروح المسؤولية والتبصّر بالمستقبل». أو «كيف نجعل العولمة ذات نزعة إنسانية؟».

تشرح ميراي دلماس ــ مارتي أن القانون يعزز، من جهة «النزعة الإنسانية الحقوقية»، عبر تطوير العمل بمواثيق حقوق الإنسان، والاعتراف بالمصالح العامة العالمية. وتأكيد المبادئ الأساسية للعدالة. لكنه يهدد من جهة أخرى، «تلك النزعة الإنسانية»، عبر التشدد أكثر فأكثر، في مجال الرقابة على الهجرات، وتعميق أشكال التهميش الاجتماعي وزيادة عمليات المساس بالبيئة. إلى جانب استمرار الجرائم الدولية الأكثر خطورة.

وفي ظل مثل هذا الدور المزدوج، تطرح المؤلفة عدداً من الأسئلة، مثل: هذا الحديث المتكرر بكل مناسبة عن «النزعة الإنسانية»، من دون تطبيقها بشكل أفضل.. ألا يعني إعلان موت هذه النزعة بنسختها «القانونية»؟ وللإجابة عن السؤال تبحث في القسمين اللذين يتكوّن منهما الكتاب «تناقضات العولمة»، و«كيفية جعل العولمة ذات نزعة إنسانية».

وتؤكد المؤلفة على ثلاثة أفعال لجعل العولمة أكثر إنسانية، تتمثل في:

مقاومة ابتعاد العولمة عن النزعة الإنسانية، دفع قواها كي تتحلّى بقدر أكبر من المسؤولية، استقراء المخاطر التي ربما تحدث في المستقبل. ترى المؤلفة أن «عولمة القانون»، ذلك في سياق بحثها ضمن : «القانون الدولي»، تتسم بأنها انتقائية ومجزّأة. إذ إن الحدود انفتحت أمام رؤوس الأموال والسلع. وظلّت موصدة أمام البشر وحركتهم. ومثل هذا التوجّه في فرض القيود أمام انتقال البشر، تعاظم أكثر فأكثر، منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001، في نيويورك وواشنطن، تحت عناوين أساسية، مثل: المحافظة على السيادة، الدفاع عن الأمن الوطني.

وتشرح المؤلفة مدى تعقيد مسيرة التدويل المقصودة وكوابح سرعتها. بسبب عدم توفّر منظومة حقيقية متناسقة وثابتة على المستوى العالمي. والتخوّف من سيطرة قوة عظمى واحدة في المجال القانوني. وحلول المعضلة تكمن، في رأيها، في ضرورة الوصول إلى صيغة قانونية متناسقة ومرنة، إلى درجة كافية، تسمح فتح الآفاق أمام جميع المجتمعات، من دون أن تلغي الخصوصيات التي تتسم بها.

إحدى الأفكار المركزية التي تدور حولها تحليلات الكتاب، تتمثل في التأكيد على أن النزعة الإنسانية لم تمت. ولا يعني تقهقر القانون الدولي وتعرّضه للهجوم من جهات متنوعة ومختلفة، أنه أضحى بعيداً عن تطلعات البشر. وتشدد المؤلفة على أن «عولمة القانون»، بالصيغة التي تجري فيها اليوم، تضع الإنسانية كلّها «أمام مشكلات كونية ــ عالمية، وأمام حلول لها».

لا تكتفي ميراي دلماس - مارتي، بتحديد الأعراض في مجال التقدم نحو تحقيق فاعلية أكبر على صعيد القانون الدولي، بل تقترح العلاج الذي تراه ناجعاً في مواجهة الفوضى. وتحاول توظيف تجربتها المديدة في مجال الهيئات القانونية وخبرتها في تدريس القانون، غاية تقديم نوع من القراءة التربوية، حيال الأوضاع العالمية المعقّدة. لكن، مع الحرص على «النضال ضد غوغائية ديماغوجية التبسيط».

وبالمقابل، تصوغ المؤلفة، عدداً من التحذيرات في مجالات الحقوق الاجتماعية والقوانين المتعلقة بحماية البيئة ودرء المخاطر المتولّدة في المجال الحيوي البيولوجي- والتكنولوجي.

وهكذا تكرّس العديد من صفحات الكتاب، لتحفيز المسؤولية الاجتماعية للشركات والدول.. وتدل على السبيل التي يمكن أن تؤدي إلى ما تسمّيه المسؤولية المشتركة، وإلى تجنّب استخدام القانون كأداة في خدمة مصالح الأكثر قوّة، ومصالح الشركات الكبرى، متعددة الجنسيات. والمهم بالنسبة لميراي، ليس معرفة ماهية القانون. لكن معرفة ما يمكنه أن يفعل، كما جاء في إحدى الجمل الأخيرة من كتابها.

 الكتاب: المقاومة وروح المسؤولية وترقّب المستقبل

المؤلف: أو كيف نجعل العولمة ذات نزعة إنسانية؟

الناشر: ميراي دلماس - مارتي

الصفحات: سويل - باريس- 2013

القطع: 196 صفحة م

المتوسط

Résister, responsabiliser, anticiper ou comment humaniser la mondialisation

Mireille Delmas- Marty

Seuil - Paris- 2013

196 .p