هناك، من بين الأحداث الشهيرة التي عرفتها الحرب العالمية الثانية، ذلك الذي وقع ليلة العاشر من مايو، عام 1941. عندما كانت طائرة ادولف هيس، أحد المقربين جدا من هتلر، تحلق فوق سكوتلندا. ولم تكن تتعرّض لخطر مباشر، لكن هيس قُذف منها فوق إحدى المزارع. ولا يزال سبب ذلك مجهولا، إلى الوقت الحالي.

توجد فرضيات، قليلة، أطلقها المحللون ومؤرخو الحرب، في هذا الصدد، مثل تلك القائلة، انه ربما كان يريد أن يجري مفاوضات مع بريطانيا، بهدف الوصول إلى اتفاقية سلام بين بلاده: ألمانيا، والحكومة البريطانية. طُرحت باستمرار، تساؤلات كثيرة، ظلت من دون إجابة، تدور حول معرفة إذا كان هيس قد قفز من الطائرة بمبادرة شخصية منه، أو أنه كان قد أجرى اتصالات مسبقة مع السلطات البريطانية المعنية؟ ثم ماذا كان يصطحب معه؟

يوضح المؤلف أن التقارير الرسمية التي صدرت عن السلطات البريطانية، تشير إلى أنه كانت بحوزة هيس أشياء قليلة، من بينها :خارطة لتوجيه الطيران، بعض الصور له مع ابنه، بطاقتان عليهما عنوان صديقين ألمانيين. ولا شيء غير ذلك من وثائق تعرّف عن هويته. ويقال انه أعطى اسما مستعارا للمجموعة التي ألقت القبض عليه. وكانت مؤلفة من مزارع(كان يحمل بيده منجلا)، ومجموعة من أفراد الحرس الوطني المحلّي.

هذه المعلومات والتقارير الرسمية التي يعود إليها المؤرخ البريطاني دانييل بيك، في كتابه عن "استكشاف العقل النازي"، يضيف اليها بعض المعلومات، مثل تأكيده أن جيوب هيس كانت مليئة بالعقاقير الطبيّة. ذلك بالإضافة إلى "مزيج مطحون"، أثبتت التحاليل التي أجراها مجلس البحوث الطبية، لاحقا، انه كان مكوّنا من "المواد المخدّرة" : "الكوكايين والافيون والاسبرين والاتروبين .. ومجموعة من المنتجات النباتية". وانتهى التقرير إلى خلاصة مفادها، أنه كان لهيس "موقف غريب حول العلوم الطبية"، كما ينقل مؤلف الكتاب.

بالطبع لم يكن البعد الطبي هو الأكثر أهمية في قضية هيس، ولكن بالأحرى طبيعة مهمته. وكان من اختصاص العاملين في الأجهزة السرية، البحث في حقيقتها ومحاولة التعرّف على دوافعها. والإشارة الى أن هناك مؤشرات كثيرة، تدل على أن هيس حدد دوره كمبعوث لعقد صفقة سلام بين ألمانيا النازية والمملكة المتحدة. أو أنه على الأقل، رغم ذلك. ثم غلبت على صورة المبعوث، صورة المريض. وفي كل الأحوال، أمضى مساعد هتلر، فترة الحرب العالمية الثانية كلها، تحت الرقابة الدقيقة.

يؤكد مؤلف الكتاب، بناء على التقارير الطبية وتقارير التحليل النفسي، التي شرع الأطباء البريطانيون بها منذ القبض عليه، أن الحالة العقلية لهيس تدهورت يوما بعد يوم، وأن الأطباء لم ينجحوا أبدا في تخفيف حدة القلق الذي كان يعاني منه. وهذا ما يؤول إلى كونه أخفق في مهمته. وكان أسير حرب، بعيدا عن أسرته وعن بلاده، وعن "المستشار- الفوهرر- هتلر العزيز على قلبه".

ويلفت المؤلف إلى أنه تبقى الأسئلة الجوهرية تتعلق بحقيقة مهمته. فما هي الفائدة التي كانت ينتظر أن يحصل عليها من العملية التي قام بها؟ ويشير المؤلف الى أنه ربما كان يتصوّر إمكانية لقائه مع القيادات السياسية والدبلوماسية البريطانية، أو ربما تصوّر أنه سيستقبل في بريطانيا كـ"بطل".

وأن أبناء وطنه الألمان سيعترفون له بفضله الكبير والمستمر عليهم، من خلال وضع حد نهائي سريع لتلك الحرب العبثية ضد بريطانيا، عبر التخلي لها عن مكاسب مهمة، مثل: سيطرتها على بحار عديدة، مقابل ترك يد ألمانيا حرّة طليقة في مواجهة الاتحاد السوفييتي (السابق)، الذي كان هتلر يرى فيه العدو الحقيقي، العنصري، والإيديولوجي.

ويرى المؤلف أن هيس، المساعد، وربما الوريث لهتلر، لم يكن يتصوّر للحظة واحدة، أنه سيجد نفسه بين يدي المحللين النفسانيين. وليس في لقاء مع القادة البريطانيين.

إن المؤلف- المؤرخ، يشدد عبر الكتاب، وفي ختامه، على أهمية علم النفس في فهم التاريخ.

 المؤلف في سطور

 يعمل دانييل بيك، مؤلف الكتاب( مؤرّخ بريطاني بارز)، أستاذا في معهد "بيركبيك" في لندن. وهو أيضا، محلل نفساني، وعضو الجمعية البريطانية للتحليل النفسي.

 الكتاب: استكشاف العقل النازي..

هتلر وهيس والمحللون النفسانيون

المؤلف: دانييل بيك

الناشر: جامعة اكسفورد 2012

الصفحات: 735 صفحة

القطع: المتوسط

The pursuit of the nazi mind

Daniel Pick

Oxford University Press ذ 2012

357 pp.