«إنهم (الفرنسيون) أبطال العالم في التشاؤم». هذا ما تقوله عمليات استطلاع الرأي من سنة إلى أخرى. وهو ما يؤكده كتاب مؤرّخ الأفكار وأستاذ الأدب الألماني في عدة جامعات فرنسية جان ماري بول، مبيناً أنهم يرون المستقبل بطريقة أكثر قتامة وسواداً، من بقية الشعوب الأوروبية.
ويقترح المؤلف في هذا العمل تأريخاً لفكرة التشاؤم وظهور هذا المفهوم في القارّة القديمة، أوروبا، منذ القرن التاسع عشر، وحتى الوقت الحالي.
ويشير أولاً، إلى أن التشاؤم رافق البشر منذ ظهور المجتمعات الإنسانية، وبهذا المعنى هو يعبّر عن فكرة قديمة جداً، حامت فوق الرؤوس، في كل الأزمنة والأمكنة. لكن ذلك لا يمنع واقع أن هذه الفكرة تزدهر من وقت إلى آخر.
يؤكد المؤلف أن الأقدمين عرفوا أشكال تشاؤمهم، وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء العالم الحديث. ويشرح في هذا السياق أن ولادة العالم الحديث، وما تلاها من تشييد للمدن وللمصانع، ومسيرة التقدم التكنولوجي، وتجمّع أعداد غفيرة من البشر في أمكنة ذات رقعة جغرافية صغيرة، والسرعة المتعاظمة لإيقاع حياة البشر، أمور أسهمت كلها في خلق نوع من الإحساس بالضيق العام: نوع من الكآبة الخاصة، كما يكتب المؤلف. ومثل ذلك الإحساس بدأ الظهور في الأدب الألماني، في نهايات القرن التاسع عشر. ويحدد المؤلف ذلك في عام 1875، عندما كتب الروائي الألماني كارل فيليب موريتز، عن «بطله»، الذي كان يشابهه إلى درجة كبيرة، أنه «ذاته الأخرى». وجاء في النص «كان مصيره الشخصي يبدو له بنوع ما، غارقاً في زحمة الجمهور الكثير الذي لا يمكن إحصاء عدده».
يولي المؤلف في حديثه عن ظهور نزعة التشاؤم في الأدب والفكر والفلسفة الألمانية، أهمية لموضوع الكيفية التي غذّت فيها النزعة الرومانسية والأفكار الفلسفية لشوبنهاور، اليأس الذي تغذّى بدوره منهما. ويرى أن كتاباً ومبدعين، أمثال: بايرون وليوباردي وشاتوبريان وإدغار بوو وبودلير، تغنّوا بالعواطف والأهواء. وظهرت في أعمالهم موجة من الضيق والكآبة، والكثير من النظرة التشاؤمية للعالم وللحياة.
ويلفت المؤلف إلى أن تاريخ التقدم كان إلى درجة ما، تاريخاً لانحسار العواطف. وكذا جعلت الحداثة التي كان يُفترض منها أن تسهم في سعادة البشر، جعلت الإنسان في حالة قصوى من التشاؤم. فاتساع العمران وانتشار التصنيع وبروز الكثير من الأمراض الجديدة، قضايا لم تترك أسباباً كثيرة لازدهار الأمل. وهكذا «غزا التشاؤم أوروبا من شمالها إلى جنوبها. ووجد ذلك صداه في أعمال كبار الكتّاب».
يوضح مؤلف الكتاب، بعد دراسته للسياق العام الذي أنتج قدراً كبيراً من التشاؤم في القارّة الأوروبية، منذ أواسط القرن التاسع عشر، كيف أن فرويد والتحليل النفسي، تأخرا بالظهور في مجتمع كانت مشاعر القلق والإحباط تسيطر فيه، منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أن مثل تلك المشاعر كانت تسيطر في العاصمة الفرنسية باريس، أكثر مما هو في أية عاصمة أوروبية أخرى. وبهذا المعنى كان لـ«التفوّق الفرنسي في مادة التشاؤم» جذوره. ويؤكد المؤلف أن الوضع في فرنسا كان مختلفاً منذ البداية. إذ كانت البلاد قد عرفت ثورتها الكبرى، وربما الثورة الأكبر في التاريخ الإنساني كلّه، وانبثقت في سياقها، أفكار جديدة عن السعادة وإمكانية الحصول على الحرية. لكن مثل هذا المناخ (المتفائل)، تغيّر تماماً في عام 1815، كما يقول المؤلف، ذلك أنه في تلك السنة عرف الحلم النابليوني نهايته، وعاد النظام القديم وخبت الآمال العتيقة.
رأى المبدعون والكتّاب، العالم بنظرة سوداء، وظنوا أن «القادم أسوأ». هذا ما يجد المؤلف آثاره في أعمال الأكثر شهرة منهم. فجميعهم اتفق على شيء واحد، وعبّر كل منهم، عنه، على طريقته، وذلك في سياق محور واحد: أن الحاضر غدا «واحة من الرعب في صحراء من الضيق والضجر»، وذلك حسب قول الشاعر شارل بودلير. وهنا يفتح المؤلف قوسين، ليشير إلى بعض الاستثناءات، مثل: ميشليه، فكتور هوغو. ولكن تلك الاستثناءات كانت قليلة جداً، وسط بحر من المتشائمين.
المؤلف في سطور
مارس جان ماري بول، مهنته تدريس تاريخ الأفكار والأدب الألماني في جامعات ديجون ونانسي وانجيه في فرنسا. أولى اهتمامه الرئيس لدراسة صورة الإنسان في عملية التطوّر المجتمعي، خلال حقبة طويلة.
الكتاب: حول التشاؤم
المؤلف: جان ماري بول
الناشر: انكر مارين - باريس- 2013
الصفحات: 284 صفحة
القطع: المتوسط
Du pessimisme
Jean Marie Paul
Encre Marine - Paris- 2013
284.p
