هناك لحظات يتردد فيها التاريخ. وفي مثل تلك اللحظات، ربما يستجدّ قرار يتخذه إنسان ما، أو تحسم معركة أو يبرز اختراع جديد، أو ربما حدث غير متوقع، بحيث يكون أي شيء من هذه الأمور، بمثابة منعطف في تاريخ شعب أو في مسيرة العالم كله. وفي مثل هذه الحالات كلها، تثار انفعالات إنسانية جماعية، يعدها المؤرخ أنتوني راولي وأستاذ السوربون فابريس دالميديا، محركات للتاريخ. وهذا ما يبحثانه في عملهما المشترك «التاريخ والانفعالات الإنسانية». ويدرسان بالتحديد «دور العواطف والانفعالات في قيادة التاريخ».

ويجيبان على أسئلة من نوع: ما هو الأمر المشترك بين الزلزال الأرضي الذي ضرب لشبونة عام 1755، واغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي عام 1963، وانهيار جدار برلين عام 1989؟ بأن القاسم المشترك بين هذه الأحداث كلها هو «الشحنة الانفعالية القوية» التي تثيرها. إضافة إلى أنها أثارت قدراً من الانفعال العام فغدت عنصراً ثابتاً في الذاكرة الفردية للمعنيين بها، وجزءاً من «اللاوعي الاجتماعي». وهذه الأحداث الاستثنائية تمتلك باستمرار «قدرة إثارة عواطف مشتركة» بالنسبة للذين عاشوها أو عاشوا في عصرها.

ويتعرض المؤلفان لنحو عشرين حدثاً استثنائياً في الكتاب، في مقدمها تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وسقوط جدار برلين عام 1989، وقبله سقوط سجن الباستيل في باريس خلال صيف عام 1789، وبعده انتخاب باراك أوباما كرئيس للولايات المتحدة الأميركية عام 2008، وما أثاره ذلك الانتخاب من آمال.

وفي عودة إلى صيف 1789 في العاصمة الفرنسية باريس، يصف المؤلفان حالة الغليان التي عاشها أبناء الأرياف من الفرنسيين ومن برجوازيي المدن عند سقوط سجن الباستيل. إذ كان القلق يسيطر على الجميع آنذاك.

وهكذا أصبحت حالة الانفعال العامة أحد محركات الثورة الفرنسية الكبرى، التي لم تكن آنذاك سوى في البدايات. ويلفت المؤلفان إلى أن مؤرخي الثورة الفرنسية أنفسهم، قدّموا عدة تفسيرات متباينة حول الأسباب البعيدة التي كانت وراء تعبئة فلاّحي الأٍرياف وبورجوازيي المدينة في صفوف الثورة.

ويتعرّض المؤلفان لدراسة الانفعالات التي أثارتها عمليات «الاحتيال المالي» أثناء سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، العشرين، ويهتمان بالتحديد بقضية الكسندر ستافيسكي، الذي اعتقلته الشرطة الفرنسية بتاريخ 27 يوليو من عام 1926، بتهمة اختلاس 200 مليون فرنك فرنسي. وبدأت محاكمته في نهاية عام 1933. وكان ستافيسكي قد نسج علاقات مع العديد من الدوائر العليا والنوادي الأرستقراطية والمحافل الماسونية، واستطاع عبرها أن يؤجّل النظر في قضيته أمام المحاكم 19 مرة. والنهاية المعروفة لألكسندر ستافيسكي، هو أنه انتحر يوم 8 يناير من عام 1934 في سجنه. فزاد انتحاره من الأسئلة حول حقيقته.

ويشرح المؤلفان أن الكثير مما قيل عن حالة ستافيسكي، لم يكن بعيداً عن المناخ العام الذي ساد في سياق الأزمة المالية العالمية الكبرى وحالة الكساد الاقتصادي الكبير. وأن المحتال الشهير كان بمثابة تعبير عن أولئك الذين كانوا وراء الأزمة. بالتالي كان سيل الاتهامات والكثير من ما قيل حول ستافيسكي، كان على خلفية القلق والخوف الذي أثارته الانفعالات الإنسانية، بغضّ النظر عن درجة مطابقة ما يقال للواقع.

ومن الأحداث الكبرى التي يرى المؤلفان أنها ساهمت في مسيرة التاريخ الإنساني، حالة «الإعجاب الممتزج بالدهشة»، حيال وصول أول إنسان إلى القمر، يوم 21 يوليو من عام 1969. إن المؤلفين يعودان إلى توصيف تلك الرحلة التي قام بها نيل آرمسترونغ، خطوة بخطوة، منذ انطلاقه في الفضاء عند السنة التاسعة والنصف صباحاً.

ويستحضر المؤلفان في الكتاب، فترة طويلة من التاريخ الإنساني تغطي أكثر من 2000 سنة. والقارئ مدعو كي يعيش تلك الأحداث من الداخل، عبر ما أثارته من انفعالات إنسانية متنوعة، تتراوح بين الحزن والأمل.

المؤلف في سطور

أنتوني راولي، مؤرخ وأستاذ في كلية العلوم السياسية في باريس. قدم العديد من الأعمال، من بينها «تاريخ عالمي لمائدة الطعام». توفي قبل أشهر قليلة.

فابريس دالميديا. أستاذ في جامعة السوربون. متخصص في التاريخ النازي.

الكتاب: التاريخ والانفعالات الإنسانية

المؤلف: أنتوني راولي، فابريس دالميديا

الناشر: أوديل جاكوب - باريس- 2013

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

Quand lصhistoire nous prend par les sentiments

Anthony Rowley, Fabrice DصAlmeida

Odile Jacob - Paris- 2013

288 .p