تضيء الصحافية الأميركية، كريستين أيفرسن في كتابها «شحنة إشعاع يتحمّلها الجسد»، على مرحلة ما بعد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء فيها، تحت قيادة الولايات المتحدة ومساهمتها الحاسمة فيها، إذ دخل العالم مرحلة «الحرب الباردة». وكانت مرحلة سباق حميم على صعيد امتلاك ترسانات عسكرية نووية. وفي عام 1952 قررت الوزارة الأميركية للطاقة، افتتاح موقع نووي سرّي في «روكي فلات»، بالقرب من بلدة دونفر في ولاية كولورادو. وكانت مهمة ذلك الموقع الأساسية، تصنيع شرائح البلوتونيوم المستخدمة في إطلاق عملية الانشطار النووي في الأسلحة النووية. واستمرّ مصنع ذلك السمّ «البلوتونيوم» في العمل لمدة تزيد على أربعة عقود كاملة.

وتبين المؤلفة أنه عانى سكان منطقة الجوار المباشر للموقع النووي في «روكي فلات»، كثيراً، من جراء قربهم الجغرافي من ذلك المصنع الذي اعتقدوا في البداية، أنه مجرّد مصنع للأدوية أو للمواد الكيماوية. ثم حدث حريق فيه عام 1957 أدّى إلى انطلاق غازات مصدرها البلوتونيوم في الجو. وذلك الحريق تبعته سلسلة من الحرائق.

وتشير المؤلفة إلى أن السلطات الأميركية أطلقت في البداية على الموقع، عند بنائه تسمية: «موقع روكي فلات لتكنولوجيات البيئة»، ولم يكن له في الواقع أية علاقة مع البيئة، من وجهة نظر حمايتها. وتؤكد أن القليل من سكان المنطقة عرفوا أن الأمر كان يتعلق بمصنع للأسلحة النووية من خلال إنتاج مادة البلوتونيوم، التي تشكّل النواة الإشعاعية لكل سلاح ذري في الترسانة الأميركية. وتمثلت الفكرة السائدة لدى سكان الجوار ولدى العاملين في المصنع، أنه كان ينتج مواد التنظيف الصناعي. وتشرح المؤلفة أنه عندما وصل إلى علم السكان والعاملين في المصنع، تدريجياً، وبطرق مختلفة، حقيقة ما كان ينتجه المصنع، عمدت الحكومة ممثلة بالسلطات الرسمية المسؤولة، إلى التأكيد أن العمل الذي يقوم به العاملون في المصنع، مؤمّن تماماً وليس مصدر أي خطر. وجرت طمأنة السكان في الجوار، أن مساكنهم ومنتجاتهم آمنة، ولا خشية من أي شيء. ولكن ذلك لم يمنع من بروز بعض الظواهر المثيرة للقلق. ففي إحدى المزارع القريبة من المصنع، لوحظ تزايد غير معهود في عدد الصيصان التي تعاني من التشوّه.

وتلفت المؤلفة في هذا السياق، إلى أنه عندما أغلق مصنع «روكي فلات» أبوابه، عام 1989، اختفت كمية تزيد على النصف مليون طن من مادة البلوتونيوم. وهذا يثير الصدمة، خاصة عندما نعرف أن جزيئة أقل من جزء من مليون من الغرام، يمكنها أن تسبب الإصابة بمرض السرطان عند استنشاقها، أو دخولها بأية طريقة، إلى الجسد. وتوضح أن ما كان يصدم أكثر، ذاك الموقف الحكومي في ما يخص كمية البلوتونيوم المفقودة، لاسيما أن آثاراً ظهرت، كما يبدو، في مياه الشرب وأحواض السباحة والحدائق القريبة التي تؤمّها أعداد كبيرة من السكان.

وعلى الجانب الشخصي، تروي المؤلفة أن حياتها، على غرار أغلبية أطفال سهول كولورادو، كانت تدور حول ممارسة السباحة في البحيرة القريبة. وكان والداها يصطحبانها في عطلات نهاية الأسبوع، بالسيارة، إلى الجبال القريبة، لاستنشاق الهواء. وكانت تلك متعة ملايين الأميركيين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

«كانت الحياة جميلة»، هكذا تلخّص المؤلفة طفولتها، قبل أن تبين أن سرّاً مسموماً في قلبها.. على غرار حرائق مصنع روكي فلات، لم تتحدث عنه أبداً. ذلك السرّ هو أن أباها، المحامي، كان مدمناً على تعاطي الكحول، وبعيداً عن تحمّل أية مسؤولية. هكذا أخذت تبدو الأسرة، مثل شجرة، تترنّح تحت وطأة أسرارها، وما تعيشه من أكاذيب.

واللافت في الكتاب، أن كريستين أيفرسن، تحيك قصة تفكك أسرتها، على خلفية نوع من التحقيق المعمّق حول أحداث موقع روكي فلات. فالأسرة والمصنع عرفا مساراً انحدارياً. إذ إن الأب المحامي خسر عمله والأسرة عانت من الضياع، بينما كانت تتعالى الأصوات في الخارج ضد مصنع روكي فلات، ابتداء من سنوات السبعينات من القرن الـ20.

وعلى قاعدة ما جمعته المؤلفة من تقارير وأحاديث، مع خبراء وعاملين سابقين في المصنع النووي، تصل إلى القول، إن روكي فلات كان الموقع الأكثر خطورة في الولايات المتحدة الأميركية

المؤلف في سطور

كريستين أيفرسن. صحافية أميركية، عاشت طفولتها في منطقة كولورادو. حازت شهادة الدكتوراه من جامعة دونفير. أسهمت في الكتاب ضمن العديد من الدوريات والصحف الأميركية. صدر لها ثلاثة كتب سابقة، من بينها «سيرة حياة مولي براون» الذي حاز جائزة كولورادو لكتب السيرة.

الكتاب: يتحملها الجسد، طفولتي في الظل النووي لروكي فلات

المؤلف: كريستين أيفرسن

الناشر: كراون - نيويورك - 2012

الصفحات: 250 صفحة

القطع: المتوسط

Full body burden

Kristin Iversen

Crown ذ New York ذ 2012

250 pp..