شاع الحديث أخيراً، في العديد من المحافل والصحف والدوريات والكتب في فرنسا، عن أشكال من التمييز تمارس على صعد مختلفة، منها: عدم المساواة من حيث التوظيف، التمييز على أساس العرق والجنس والدين والأصل والحالة الصحيّة. وهذه الأشكال كلها من التمييز، ينظر إليها اليوم باعتبارها أحد المظاهر، هذا إذا لم تكن المظهر الأساسي، في المظالم الاجتماعية. وهي تشكل موضوع الكتاب الذي اشترك في تأليفه أربعة أساتذة يعملون في جامعة بوردو، بعنوان: «لماذا أنا؟». إذ يعالجون فيه «تجربة التمييز» بمختلف أشكالها.
يشرح المؤلفون في مقدمة الكتاب، أنه إذا كان من الضروري توصيف أشكال تجربة التمييز ومدى تأثيرها، فإنهم يؤكدون أيضاً على ضرورة التعرف إلى كيفية عيشها من قبل أولئك الذين يعانون منها. ويشيرون في هذا الصدد إلى الفارق الكبير بين أشكال عدم المساواة الموضوعية، وبين طريقة الإحساس بها من قبل الآخرين، واعتبارها عادلة أو ظالمة.
ويوضح المؤلفون أنه إذا كان المقصود بـ«تجربة التمييز»، جملة مجالات للعمل أو للنشاط الاجتماعي والاقتصادي، وغير ذلك من مشارب الحياة العامة، فإن ضحايا التمييز في الواقع الفرنسي، هم خاصة: السود والعرب والنساء. هذه الفئات الثلاث هي التي يتعرّض المؤلفون كثيراً لمسألة معاناتها من التمييز.
ويبحث المؤلفون أيضاً، ظواهر تتعلق بعدم المساواة على صعيد الحياة اليومية. وهكذا يرى فرانسوا دوبيه، أحد مؤلفي الكتاب، إلى ممارسات جديدة من التمييز، مثل تحديد مجموعة من المقاعد في دور السينما بسعر أعلى.. ويتساءل الكاتب إذا كانت قاعدة بيع المكان الأفضل بسعر أعلى، فلماذا لا تفرض ضريبة على المارّة الذين يفضلون السير على الرصيف المشمس؟
ويلفت الكتاب إلى أن هناك العديد من التوصيفات والكلمات تتردد على لسان الذين يعانون من تجربة التمييز، والتي تعرّضوا لها في هذا السياق أو ذاك. ويشير المؤلفون هنا إلى كلمات مثل: الاندهاش والحصار، التي رددها كُثر من أجل التعبير عن المشاعر التي أثارها التمييز الذي تعرّضوا له.. ما شكّل تبايناً كبيراً بين تعريفهم لأنفسهم، والتعريف الذي يريد الآخرون تحديدهم فيه.
وتوضح التحليلات المقدّمة إلى ما كان قد عرضه الفيلسوف جان بول سارتر، حول تجربة التمييز، والتي يمكن أن تؤدي إلى «كره الذات». وبفضل عملية تحقيق ميداني طال 187 محادثة أجراها المؤلفون في العديد من المستشفيات والمدارس الثانوية، ولدى رجال السياسة وفئات اجتماعية عدة، يدرج الباحثون فهرساً لأشكال التعبئة التي يتبنّاها الأفراد المعنيون، من أجل تجنّب تعرّضهم للجروح، أو على الأقل، للتخفيف من الآثار السلبية لتجارب التمييز التي ربما يتعرّضون لها.
ومن بين الفئات «ضحايا التمييز»، تمثل النساء أحد أهمها. ويشير التحقيق المقدّم إلى وجود فارق بين التنديد والتمييز. وهن يتعرّضن للتمييز على صعيد مسارهن المهني قليلاً.
كما يناقش الكتاب مقولة «التمييز الإيجابي» في العديد من الصفحات. ويتطرق إلى موضوع التمييز الإيجابي بمعنى تكريس حصص محددة للفئات الاجتماعية، التي يمكن أن تكون عرضة للتمييز، للفوز بفرصة عمل أو لدخول مدرسة عليا أو بعض الكليات الجامعية المحصورة، إلى الوقت الحالي، بأبناء شرائح محدودة من المجتمع الفرنسي. فمثلاً، تقول «فاطمة»، كما نقرأ: «لماذا التمييز الإيجابي، لماذا؟.. عرفت نفس المسار مثلكم، ولدي الكفاءات ذاتها، فلماذا هو تمييز إيجابي؟ (...) هل لأنني سوداء، أم لكوني عربية، أم أنني...؟».
وما يؤكده المؤلفون في الصفحات الأخيرة من الكتاب، أن إعطاء قيمة أكبر للكفاءة، يتحقق أكثر في مجتمع أكثر مساواة، ما يؤدي إلى عدالة أكبر على صعيد المساواة في حظوظ العمل. وفي مختلف مشارب الحياة الاجتماعية.
يخصص الكتاب، أربعة فصول مكرّسة لتوصيف تجربة ضحايا التمييز. وثلاثة لـ«الشروط الاجتماعية لخلق مشاعر التمييز». أما الفصلان الأخيران، فمكرّسان لدراسة «سبل مكافحة التمييز».
المؤلف في سطور
يعمل مؤلفو الكتاب (دوبيه وكوزان وماسي وروي)، أساتذة في جامعة بوردو. وهم باحثون في مركز «إيميل دوركهايم»، عالم الاجتماع الشهير. ومتعاونون مع مركز الأبحاث الاجتماعية التابع للمدرسة العليا للدراسات الاجتماعية في باريس.
الكتاب: لماذا أنا؟ تجربة التمييز بين البشر
المؤلف: فرانسوا دوبيه واوليفييه كوزان وايريك ماسي وساندرين روي
الناشر: سويل - باريس- 2013
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
Pourquoi moi ?
François Dubet, Olivier Cousin etة
Seuil - Paris- 2013
360 pp.

