أجرى عالم الأحياء الأميركي جاريد دياموند، رحلات مكوكية، على مدى نصف قرن من الزمن، بين الولايات المتحدة الأميركية وغينيا الجديدة، هذا إلى جانب زياراته المتعددة لمناطق أخرى في العالم، في مقدمها: اندونيسيا. وجعل من دراسة المجتمعات الإنسانية موضوع اهتمامه الأول. وهو يكرّس كتابه الأخير، الذي يحمل عنوان "العالم حتى الأمس"، لدراسة أحد أكثر المجتمعات بدائية في غينيا الجديدة.

والمقصود بذلك الإثنية المعروفة باسم "داني"، التي توجد في منطقة "بابوزيا" في غينيا الجديدة. ذلك على أساس أن مثل هذه الشعوب البدائية، هي التي تمثل الماضي الإنساني البعيد لمجتمعات اليوم: الحديثة.

وفي البداية، يطرح المؤلف السؤال التالي: هل يمكن أن تساعد دراسة المجتمعات الإنسانية الأكثر بدائية، المجتمعات الحالية، على العيش بصورة أفضل؟

الخطوة الأولى التي يقوم بها في معرض الإجابة، تتمثل في عملية رسم صورة للماضي الإنساني، كما عاشه الإنسان البدائي، على مدى ملايين السنوات.

يوضح دياموند واقع أن المجتمعات المعاصرة اكتسبت سمات جديدة، يضعها تحت عنوان "الحداثة". وذلك في مختلف الميادين، من وسائل الاتصال، وإلى تعميم العلم والمعرفة، وكذا السواد الأعظم من مناطق العالم، بدرجات متفاوتة. لكن رغم الهوة السحيقة التي تفصلنا عن أجدادنا البدائيين، تبدو وكأنه لا يمكن ردمها. فإنه يمكن للملاحظ الدقيق، أن يجد الكثير من آثار نمط العيش في المجتمعات البدائية،لا تزال موجودة في المجتمعات التقليدية القائمة، أو التي كانت قائمة حتى فترة قريبة من الزمن.

ولا يتردد المؤلف في توجيه نوع من التحذير للمجتمعات الحديثة الاستهلاكية، حيال ركونها إلى النجاح المادي الذي يجعلها تتصرف بكثير من الصلف، ويمنعها من النظر إلى أصولها الأولى. هذا في الوقت الذي تواجه العديد من هذه المجتمعات، معضلات تبحث عن حلول.

وما يذكّر فيه هو أن المجتمعات التقليدية تبيّن لنا أن هناك خيارات أخرى ممكنة، وطرقاً أخرى للتوجه في المجالات الاجتماعية والبيئية، أي المجالات التي يبدو أن الإنسانية تواجه فيها أخطاراً وتهديدات حقيقية. ومن الميزات المهمة التي تتمتع بها المجتمعات التقليدية، طبقاً للمؤلف، أن العزلة ليست مشكلة فيها.

ذلك أنه يمكن للفرد فيها أن يعيش حالة من "الانسجام" مع الطبيعة المحيطة. ثم إن مشكلات الهوية ليست مطروحة على أبنائها، ولا يعاني هؤلاء من حالة الخلط والتشوش التي يعاني منها عادة، أبناء المجتمعات الحديثة، كذلك لا يعرف الضيق طريقه إلى المجتمعات التقليدية. إن المعنيين يميلون إلى الحديث مع الآخرين باستمرار. ويبحثون عن تقاسم معارفهم المتواضعة بطبيعتها مع الآخرين، كما أن الجميع يتمتعون عادة، بفضيلة البحث عن التعلّم من الآخرين.

ويعالج مؤلف الكتاب، في الفصلين الأخيرين، مسألة التعددية اللغوية. ويشير إلى المفارقة الكبيرة الكامنة في كون غالبية أبناء غينيا الجديدة، ذات المجتمع التقليدي بامتياز، يتحدثون لغات محلية، عديدة، لكنها متنوعة. بينما غالبية الأميركيين لا يتحدثون سوى لغة واحدة، الإنجليزية أو الإسبانية.

 المؤلف في سطور

 يعمل جاريد دياموند في مجال العلوم الحيوية البيولوجية. سبق له أن قدّم مجموعة كتب لاقت نجاحاً كبيراً. من بينها: "عدم المساواة بين المجتمعات" الذي نال جائزة "بوليتزر" لعام 1998.

 الكتاب: العالم حتى الأمس

المؤلف: جاريد دياموند

الناشر: فايكينغ- نيويورك 2012

الصفحات: 512 صفحة

القطع: المتوسط

The world until yesterday

Jared Diamond

Viking ذ New York ذ 2012

512 pp.