شرع الأميركيون في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، في بناء أكبر شبكة طرق سريعة "اوتوسترادات" في العالم كله، امتدت عشرات آلاف الكيلومترات. وربطت بين مختلف مناطق الولايات المتحدة الأميركية. وأصبحت تلك الشبكة بمثابة إحدى العلامات المميّزة لدرجة الازدهار التي وصلت إليها البلاد بالقياس إلى مختلف بلدان العالم المتقدمة الأخرى.

وشغلت شبكة المواصلات العملاقة مكانة متميزة في المخيلة الأميركية، باعتبارها إحدى المرايا الثقافية لما يريد الأميركيون أن يصبحوا عليه. وهذه هي على الأقل، القراءة التي تقدمها الصحافية والكاتبة الأميركية جينجر ستراند، في كتابها: "قتلة على الطرق.. العنف والطرق الأميركية السريعة".

وتبين الكاتبة، أنه مما عكسته تلك المرآة الثقافية، انتشار ظاهرة العنف قبل أن يجف الإسفلت الذي رُصفت فيه الطرق. وهكذا سرت بسرعة كبيرة إشاعة وجود قتلة على الطرق، كما ظهر على الصفحات الأولى من الجرائد الأميركية الكبرى.

في كتاب "قتلة على الطرق"، تبيّن المؤلفة التداخل بين ظاهرتي بناء شبكة الطرق وتفشّي العنف أكثر. والقتلة الذين تتعرّض المؤلفة لتوصيف حالتهم، يشكلون فئة غير واضحة الحدود.

ومن خلال قصص "قتلة الطرق"، تؤرّخ المؤلفة لظاهرة بناء شبكة طرق في الولايات المتحدة، هي الأكبر من نوعها في العالم. وكذا للظواهر الاجتماعية التي رافقت تغيير العلاقات.. إذ كانت زيادة عدد الجرائم على الطرق، أحد مظاهر ذلك التغيير.

ومن المسائل التي تؤكد عليها المؤلفة في كتابها، أن بناء شبكة طرق المواصلات الأميركية العملاقة، في سنوات الخمسينات من القرن الـ20. كان بالوقت نفسه، بمثابة الإعلان عن دخول أميركا حقبة ثقافة السيارة.

وتوضح جينجر ستراند أن الكثير من مظاهر القلق التي رافقت إيقاع الحياة السريعة: الجديدة، تركّزت على شخصية "مسافر الاوتوستوب"، الذي نظر إليه بداية، كمصدر خطر. وتنقل عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، آنذاك، تحذيره بصيغة التساؤل التالي: "هل هو مسافر الاوتوستوب- مسافر ودّي أم مجرم شرير؟". لكن تلفت إلى أن مثل تلك الصورة تغيّرت تدريجياً، كي يظهر ذلك "المسافر المجاني"، في موقع الضحية المثالية بالنسبة للمصابين بتشوش نفسي.

إن المؤلفة، وعلى مدى صفحات الكتاب تخلط بين مشربين متباعدين بالتعريف، هما: الأحداث والجرائم من جهة، والتاريخ الثقافي من جهة أخرى. ومن خلال هذا الخلط توجد رابطة بين التزايد الكبير في نسبة جرائم القتل في الولايات المتحدة الأميركية، المرتكبة على جانبي شبكة طرق المواصلات السريعة، وبين حالة عدم ضبط وتنظيم السير في العقود التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية.

وتشرح أن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية، المتأتية من غياب النقابات العمالية والتدهور الكبير الذي أصاب شروط العمل وتفشي ظاهرة البطالة، في عدد من القطاعات وانتشار مهنة سائقي الشاحنات الذين يمضون أوقاتاً طويلة متنقلين على الطرقات السريعة، أمور ساهمت كلها أيضاً، في إيجاد المناخ المناسب لازدهار الجريمة.

 المؤلف في سطور

جينجر ستراند؛ كاتبة وصحافية أميركية ترعرعت في ميتشيغان وتعيش حالياً في نيويورك. قدمت العديد من الأعمال الروائية. تسهم بالكتابة في مجموعة من الصحف والدوريات. من أعمالها: اختراع نياغارا.

 الكتاب: قتلة على الطرقات.. العنف والطرق الأميركية السريعة

المؤلف: جينجر ستراند

الناشر: جامعة تكساس 2012

الصفحات: 222 صفحة

القطع: المتوسط

Killer on the road

Ginger Strand

University of Texas Press ذ 2012

222 pp.