بعد خروج كريم مختاري من السجن المركزي لمدينة نانت الفرنسية، حيث أمضى عشر سنوات كاملة، تعرّف على شارلي كارل. لم يكن أي منهما له علاقة بالكتابة أو الكتب، ولكن بعد أشهر من صداقة جمعت بينهما، خطرت لهما الفكرة المجنونة لتحرير كتاب مشترك، كما يذكران في مقدمة عملهما الذي صدر قبل فترة قصيرة، تحت عنوان: "دفّة الإنقاذ، مسيرة فتى عرف البؤس".
يشير المؤلفان في البداية أيضاً، إلى أن مجرد التفكير بإنجاز الكتاب، كان يصيبهما بـ"الدوار"، كما يذكران. ويضيفان: "مع ذلك، كان المسار الذي عرفه كريم غريباً، إلى درجة أنه لم يكن ممكناً عدم تقديمه للآخرين (...). وكانت بداية المغامرة". هكذا أمضى الشابان مئات الساعات معاً، وهما يبحثان في ماضي كريم، وينقبان في الذكريات، البعيدة منها والقريبة.
الشاب والسجين السابق، كريم مختاري، يعمل اليوم في مجال مساعدة السجناء السابقين للاندماج في المجتمع، وهذا هو بالتحديد الموضوع الرئيسي للكتاب. والأمر الأساسي الذي يشدد عليه بأشكال مختلفة، هو أن طريق الاندماج من جديد في نسيج المجتمع، محفوفة بالمخاطر وبالكثير من حالات السقوط من جديد ومن الإغراءات. ذلك أنه من الصعب جداً الخروج من خانة السجن، وعدم العودة إليه بعد الخروج منه.
إن كريم مختاري يروي في هذا الكتاب، مسيرة حياته كلها. ذلك منذ طفولته البائسة في أحضان الفقر، ثم انزلاقه إلى عالم الجانحين الذي قاده إلى السجن. ويروي خاصة تجربة سنوات السجن الطويلة وأولئك الذين عاش معهم أثناءها. واستيقاظ ضميره ووعيه والجهود التي بذلها للخروج من السجن قبل نهاية الحكم. وأخيراً عملية إعادة اندماجه في المجتمع. وهو ما أعطاه بعد سنوات عديدة من حياته خارج السجن، الشجاعة للحديث عن قصته وإرادته في تغيير الأشياء.
وكان كريم، كما يقول، يمضي ساعات طويلة وهو يحدّق في الفراغ. وذات يوم استدعت اهتمامه الكتابات المدوّنة على الجدران، حيث كانت غالبيتها من دون معنى مهم. ثم توقف نظره على جملة مكتوبة بقلم الحبر مفادها: "إذا كنت تريد تدخين لفافة، اتبع السهم". واكتشف في جانب الجملة "سهماً"، دلّه على آخر. ثم انتهى الأمر إلى كوّة في الجدار.
ونتبين في الكتاب، أن كريم مختاري يقدّم اعترافاته، على غرار "رواية"، بما يتخللها من عودة إلى الماضي فلاش باك-، وإلى عنف الطفولة المعذّبة، وإلى عنف السجون. وكذا الكتابة، في الوقت نفسه، عن معركة الخروج من عالم السجن والجريمة، والانخراط من جديد في حياة المجتمع.
وأما أقسى ما في السجن، فيحدده مختاري، بالعزلة والعنف والتهميش والتمييز العنصري والإحساس بالذنب، وأشياء أخرى كثيرة. وهذا رغم أن هناك في السجون الفرنسية، مع قسوتها وعنفها، محاولات لتحضير السجناء لحياة ما بعد السجنّ. ويلفت الكتاب، كذلك، على مدى صفحاته، إلى أن حرّاس السجن، هم في الوقت نفسه، أفضل الأصدقاء وأسوأ الأعداء.
المؤلف في سطور
أمضى كريم مختاري، عشر سنوات من حياته وراء قضبان السجن. وبعد خروجه من السجن المركزي لمدينة نانت، تعرّف على شارلي كارل. والاثنان ألفا معاً هذا الكتاب، الذي يسرد سنوات كريم مختاري في السجن.
الكتاب: دفّة الإنقاذ.. مسيرة فتى عرف البؤس
المؤلف: كريم مختاري - شارلي كارل
الناشر: سكرينيو - باريس- 2013
الصفحات: 440 صفحة
القطع: المتوسط
Rédemption
Karim Mokhtari, Charly Carle
Scrineo - Paris- 2013
440pp
