بيير بريان هو أحد المؤرخين الفرنسيين المعاصرين، والمتخصصين الأوروبيين ذوي الشهرة العالمية، في تاريخ الاسكندر الأكبر وفتوحاته. وبعد أن قدّم "سيرة حياة الاسكندر" في كتاب عرف حتى الوقت الحالي، طبعته السابعة، يخص الفاتح المقدوني، بكتاب جديد: "الاسكندر وعصر التنوير".

الفكرة الأساسية التي يشرحها المؤلف في كتابه، تتمثل في اعتباره ان الاسكندر المقدوني، الفاتح الشهير في العصور القديمة، بلور في القرن الثامن عشر، المعروف بعصر التنوير الأوروبي، المفهوم الذي صاغته القارة القديمة، أوروبا، عن هويتها وعن مصيرها.

ويشير المؤلف، إلى أنه أمضى أكثر من ثماني سنوات في البحث والتقصّي في أدبيات عصر التنوير الأوروبي بكل مشاربها. هذا مع ملاحظة أنه لا يقصر تحديد ذلك العصر "زمنيا" على القرن الثامن عشر مثلما هو متعارف عليه عامة، ولكن يوسع إطاره كي يشمل العقود الأخيرة من القرن السابع عشر والأولى من التاسع عشر.

ويبين أن المقولات السائدة ترى أن اهتمام المؤرخين بسيرة حياة الاسكندر المقدوني وبفتوحاته لم تبدأ سوى في القرن التاسع عشر، وتحديدا مع صدور كتاب المؤرخ يوهان غوستاف دروازن عن سيرة حياة الاسكندر عام 1933. لكنه يقدم صورة للاسكندر كما صاغها المهتمون بالتاريخ وغيرهم من العاملين في مختلف حقول الثقافة والعلوم الإنسانية، طيلة القرن الثامن عشر، المعروف بأنه عصر التنوير بامتياز.

وعلى قاعدة فتوحات الاسكندر المقدوني، يقود مؤلف الكتاب قارئه في أوروبا القرن الثامن عشر( في شمالها وجنوبها)، من الفلسفة إلى الاقتصاد والجغرافيا.. وهذه المشارب كلها يجمع بينها عبر الصورة التي رسمها للاسكندر في عصر التنوير. ويبقى الخط الناظم في عمل المؤلف، عرض ما قاله التنوير الأوروبي في تجربة الاسكندر التاريخية. وهذا مع العودة أحيانا إلى مؤرخي الاسكندر، الذين كتبوا باللغة اليونانية القديمة، مثل : بلوتارك وديودور. أو باللغة اللاتينية، وعلى رأسهم سينيك.

ويوضح المؤلف انه اذا كان كتّاب وفلاسفة عصر النهضة، قد استقوا معلوماتهم عن الاسكندر من المؤرخين القدماء، فإن عصر التنوير اهتم خاصة بما رآه توسع الغرب عبر فتوحات المقدوني. وانتهى التنويريون إلى جعل مشروع الاسكندر بمثابة نوع من تأمّل أوروبا في علاقاتها مع الآخرين. وبهذا المعنى لم تكن صورة الاسكندر غريبة عن أفكار التنوير، بل لعبت دورا مهما في الفكر الغربي، خلال تلك الفترة الحاسمة من التاريخ الأوروبي الحديث.

ومن الملاحظات التي يؤكد المؤلف عليها، قوله ان القرن الثامن عشر الأوروبي، عصر التنوير، نظر إلى الاسكندر كأنه أحد صوره، إذ إن التنويريين، وخاصة من الذين انضووا في إطار تيار الحداثة، قاموا بعملية دمج الاسكندر في تفكيرهم. هكذا في كل مرّة كان يجري فيها التساؤل عن كيفية التمكّن من حكم إمبراطورية شاسعة، أو تطرح أسئلة عن أوروبا وعلاقاتها بالآخرين، فإنه كانت تستحضر صورة الاسكندر.

وأما النموذج الآخر، فرسم صورة سلبية للاسكندر ولمشاريعه، على خطى ما كان قد كتبه عنه المؤرخ اللاتيني- الروماني سينيك. ذلك طبقا لتوصيفه له بالـمدمّر والمخرّب للمناطق التي اجتاحها، والقول انه كان مدفوعا بـطمع وجموح لا حدود لهما، ولم يكن يبحث سوى عن شيء واحد هو مجده الشخصي، من دون الاهتمام بكل الكوارث التي كانت تقع على أولئك الذين كان يخضعهم لسلطانه. وكان المفكر الفرنسي بوسويه قد تبنّى مثل ذلك الرأي في فرنسا، وفعل هيرور الأمر نفسه في ألمانيا.

ويؤكد المؤلف في المحصلة، أن صور الاسكندر لا تزال لها حضورها حتى الوقت الحاضر، إذ تستثمر من جديد في العديد من لحظات التاريخ المعاصر. وهكذا لا يزال يجري البحث في علاقات الغرب بالشرق، عبر الاسكندر في أحيان كثيرة. ذلك إما من أجل التأكيد على المهمة التحضيرية التي تقوم بها أوروبا المتمدّنة، أو من أجل المحافظة على الهوية الأوروبية من زحف الشعوب الشرقية. وإما من أجل شجب المظالم المرتبطة بهيمنة القوي على الضعيف.

 المؤلف في سطور

 بيير بريان، مؤرخ فرنسي، مارس مهنة التدريس لسنوات في جامعة مدينة تولوز. يشغل منصب أستاذ التاريخ في "الكوليج دو فرانس". من مؤلفاته: تاريخ الإمبراطورية الفارسية، داريوس في ظل الإسكندر، الإسكندر الأكبر.

 الكتاب: الإسكندر وعصر التنوير

المؤلف: بيير بريان

الناشر: غاليمار - باريس- 2013

الصفحات: 750 صفحة م

القطع: المتوسط