تتبنّى غالبية حكومات العالم المتقدم، إجراءات استثنائية لمن يمكن تصنيفهم تحت خانة "ذوي الاحتياجات الخاصة". ولكن هناك فئة، بل فئات، أخرى غيرهم، من الأطفال الذين يعانون الصعوبات في مسار حياتهم أو في تأقلمهم مع المحيط الذي يعيشون فيه.

الطبيب النفساني أندرو سولومون استقبل مئات الأسر التي تعاني من وجود طفل يتعرض لجملة من الصعوبات. ومن خلال هذه التجارب التي استمرت مدة عقد كامل من الزمن، يخرج بكتاب: "بعيداً عن الشجرة".

يروي أندرو سولومون في هذا العمل، قصص الأهل الذين يجدون أنفسهم في مواجهة امتحان التأقلم والتعامل مع أطفالهم الذين يعانون من الصعوبات. والأطفال المعنيون مختلفون. لكن مؤلف الكتاب يركز على القول إن واقع الاختلاف والتنوّع، يوحّد بيننا جميعاً. وأشكال التنوع التي يتعرّض لدراستها، تلك التي تواجهها أسر مع حالات الصمم وقصر القامة المفرط والتوحّد وانفصام الشخصية، وحالات عديدة أخرى من الإعاقة، وأحياناً الجنوح، لدى الأطفال المعنيين.

والتحديات التي يواجهها الأهل تكون غالباً غير محسوبة ولا متوقعة، وبالتالي ليس هناك أية معلومات دقيقة حول سبل مواجهتها. وهؤلاء الأهل يلتقون أيضاً فيما يــسميه المؤلف "الكرم والقبول والتسامح".

ويستخدم المؤلف، بالنسبة للأطفال الذين "يعانون من الصعوبات"، نوعاً من الهوية التي تجمع بينهم، ويسميها "هوية أفقية". وهو يجمع في إطار هذه الهوية، أولئك الذين يجمع بينهم الاختلاف عن الآخرين: "الاختلاف جسدياً أو ذهنياً أو نفسياً". ويعبّر عنهم بـالصمّ أو الأقزام أو المتوحّدين الاوتيست- أو العصابيين. أو أولئك الذين يكونون ثمرة عملية اغتصاب أو يقترفون جنحة كبيرة.

ويصوغ المؤلف النتائج الأساسية التي يتوصل إليها، من عملية التقصّي والاستجواب الطــويلة: "إن الأسر التعـيسة التي تواجـه طــفلها بالرفض، كونه مختلفاً - يعاني من صعوبة أو إعاقة- تتشابه فيما بيــنها، بينــما أن الأسر السعيدة التي تبذل الجهود الحقيقية لقبول الطفل المختلف، سعيدة كما تعبّر عن نفسها، بطرق عديدة". ويشير المؤلف إلى تجربته الخاصة، إذ إن والديه ساعداه إلى حد كبير، كي يواجه حالة الاضطراب النفسي التي عانى منها خلال فترة معينة من حياته.

وفي إطار مواجهة تحدي "الطفل المختلف"، يحدد المؤلف محورين أساسيين، تدو حولهما تحليلاته. ويلفت المؤلف إلى أن البشر، ومهما كان مقدار الألم والقلق المرافقين للحمل والولادة، لا يمكن أن يأسفوا أبداً، كونهم أنجبوا أطفالاً. ونقرأ: "ليس الألم هو ما نحبه.. لكنه ذلك الوليد الذي نلفه مثل لؤلؤة".

ورغم المرارة التي ترافق الحديث عن حالات الأهل، وهم يواجهون تجربة العيش مع "طفل مختلف"، فإن مؤلف الكتاب الذي تزيد عدد صفحاته على الـ700 صفحة، يحاول ألا يكون جافاً في توصيفاته، بل يستخدم أحياناً بعض الدعابات، مثل نقله ما قاله له ذات مرة، طفل قصير القامة جداً: قزم. ومفاده: "في السينما لا يمكننا أبداً أن نمسك يد الفتاة التي تجلس بجوارنا، مثل الآخرين، ذلك أن ذراعنا أقصر من السماح بذلك".

ويؤكــد المؤلف في نهاية الكتاب، أن الأسر التي تحدث معها ساعات وساعات، ومن دوّن كل ما قيل أثناءها، أعربت بمعظمها، عن امتنانها كونها عاشت تجربة البوح بما كان يثقل عليها. وهذا مع أنها كانت قد حاولت جميعها، قبل البدء بالتجربة، الـتهرّب منها. واجتمعت كلها على القول، إنها، مثل جميع البشر، لا تستطيع منع نفسها من حب أطفالها، بما هم عليه، وليس بما كان يُفترض أن يكونوا عليه.

ويحكي كتاب في المحصلة، عن مفهوم الاختلاف، وعن الكيفية التي يواجه فيها الأهل أطفالهم المختلفين عنهم وعن الآخرين. وهذا ما يقوم به المؤلف، من خلال تجارب مئات الأسر التي عاشت مثل الوضع ذاك.

 المؤلف في سطور

 أندرو سولومون، طبيب نفساني. مارس مهنته لمدة عشر سنوات، واستقبل مئات الأسر التي لديها طفل "ليس كالآخرين". كما عمل أستاذاً في جامعة كورنيل. لديه كتاب بعنوان: "شيطان الظهيرة"، يتحدث فيه عن تجربته الشخصية في الانهيار النفسي.

 الكتاب: بعيداً عن الشجرة..

المؤلف: تأليف: أندرو سولومون

الناشر: سكريبنر- نيويورك 2012

الصفحات: 702 صفحة

القطع: المتوسط