كرّس الأستاذ الجامعي الفرنسي، جورج فيغاريللو، العديد من كتبه السابقة، للحديث عن الجسد الإنساني: تاريخه، معايير جماله، صحته، بدانته. وهو اليوم يتابع كتابته عن الجسد، من خلال "القامة"، كما يقول عنوان عمله الأخير، إذ يؤرخ لها منذ القرن الثامن عشر وحتى الحقبة الحاضرة، مؤكداً أن مسألة "القامة" تشكل أحد التحديات المعاصرة، مثل ما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
ويوضح المؤلف أن القامة لها تاريخها. ويعود استخدام هذه الكلمة إلى القرن الثامن عشر، ولكنها لم تكن تعني آنذاك أن يكون الجسد نحيلاً ورشيقاً.
ويشير إلى أنه حتى بدايات القرن العشرين، لم تكن معايير السمنة كتعبير عن جمال القامة في الغرب، هي السائدة اليوم. ثم حلّت معايير الموضة التي تبرز القامة. ويعد المؤلف أن بعض مصممي الأزياء الحديثين، وعلى رأسهم كوكو شانيل، مؤسسة دار أزياء شانيل، حرروا الجسد من تلك المعايير، وفرضوا في الوقت نفسه، النحافة والرشاقة كمعايير مطلوبة بالنسبة للقامة.
ويلفت المؤلف في هذا السياق، إلى أن العدد الأول من مجلة "ماري كلير" النسائية، الصادر في عام 1937، خصص جميع صفحاته لموضوع "رشاقة القامة". وهكذا بدأت طقوس تكريس معايير للجسد، كما يقول، وتحوّلت تلك الطقوس بعد فترة وجيزة من الزمن، إلى نوع من القواعد الصارمة التي ينبغي التقيد بها.
وترافق ذلك مع ازدهار مختلف الممارسات والمهن ذات العلاقة، بما عُرف بـ"التربية البدنية"، ومع اتباع أنظمة غذائية محددة "ريجيم"، هدفها كلها، محاربة البدانة وتحقيق المعايير السائدة، فيما يتعلق بالقامة، ومع تطوّر قطاع صناعي جديد يتمثل في المنتجات التي تساعد على النحافة.
ويبين المؤلف أنه في القرن الثامن عشر، ظهرت في الصالونات والمقاهي، وفي الاحتفالات العامة التقليدية، شخصية مصمم القامات. وكان يقوم بعملية تصميم أشكال لقامات من ورق أسود، يلصقها على مساحات بيضاء، بحيث تبدو كنوع من مسرح الظلال. وكان مصمم القامات يعمل غالباً خلف قطعة من القماش، ينعكس عليها شكل قامة الزبون، بحيث ينقلها أو ينسخها.
وهكذا، غدت كلمة "قامة"، طبقاً لما يشرحه المؤلف، تدل إذن، على صورة للجسد تقترب بأكبر قدر ممكن من الواقع، لتكون بمثابة ظل له. ويذكّر المؤلف في هذا الإطار بجملة للشاعر الإغريقي بندار، قال فيها: "الإنسان حلم ظل". فصورة الجسد التي تعكس القامة، تختلف عن مفهوم الصورة التقليدية التي تسعى إلى تحسين موضوعها، بينما تعكس القامة الحقيقية، بأقرب قدر ممكن. وبهذا المعنى، لا يكون موضوعها الإنسان ولكن الفرد. ويوضح أن ظهور القامة في الصور، تزامن تقريباً مع ظهور مشرب جديد في الرسم، هو "الكاريكاتير"، الذي يركز هو أيضاً، على التفاصيل والانحناءات في الأنف وغيره، كي يقدم الشخص الذي يشكّل موضوعه.
ويرى جورج فيغاريللو أن اختراع مفهوم القامة وصورتها، يكشف أيضاً عن لحظة محددة من الثقافة الغربية: اللحظة التي غدا فيها الجسد أكثر من أي وقت مضى، يخص إنساناً معيناً بحد ذاته. ولم يكن ذلك بعيداً حسب رأيه، من واقع أن عصر التنوير الفرنسي الذي يتناظر مع القرن الثامن عشر، كان قد جعل من الفرد - الإنسان، القيمة التي أكّد على ضرورة احترامها.
ومن ثم أصبحت القامة، نوعاً من الفكرة الثابتة: "الوسواس" البدني بالنحافة. وجرى في الوقت نفسه، تعميم هذه الصورة كي تشمل الرجال أيضاً، لا النساء فقط. ويقدّم المؤلف، العديد من الأمثلة على صور الدعايات الإعلانية، الداعية للنحافة منذ سنوات الثلاثينات في القرن الماضي، حيث كانت البدانة، ولو قليلاً، قد بدأت تصبح أحد عيوب الجسد في المجتمعات الغربية. لكنه يشرح في الصفحات الأخيرة، كيف أن تعبير القامة اكتسى أهمية أكثر فأكثر مع مرور الزمن، ذلك أنها أصبحت تعبّر عن قيمة اجتماعية حقيقية.
المؤلف في سطور
يعمل جورج فيغاريللو، أستاذاً ومديراً للدراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. وهو رئيس المجلس العلمي للمكتبة الوطنية الفرنسية. من مؤلفاته: الجسد ومعاييره
الكتاب: القامة.. من القرن الثامن عشر حتى اليوم: ولادة تحد
المؤلف: جورج فيغاريللو
الناشر: سويل - باريس- 2012
الصفحات: 157 صفحة
القطع: المتوسط
