أعطى الأستاذ في جامعة كولومبيا لدروسه العلمية التي يقدمها لطلبته، عنواناً عريضاً: "الجهل بما لا نعرف"، وتعوّد أن يدعو إليها رجال علم من مختلف المشارب، كي يتحدثوا للطلبة كل أسبوع، عن "أشياء لا يعرفونها". و"الجهل" هو عنوان الكتاب الذي صدر له، أخيرا، ويتحدث فيه عن الكيفية التي يهيمن بها الجهل، على سلوكيات البشر وعقولهم، وأحيانا على العلوم نفسها.
يتحدث المؤلف بداية، عن المعرفة بالمعنى الواسع والعريض، وعن أهميتها في تقدم المجتمعات الإنسانية، ذلك كي يؤكد في حديثه عنها، أن الجهل هو الأكثر انتشارا وتأثيرا في مصير البشر. بل ولا يتردد في القول ان الجهل وليس المعرفة، المحرك الحقيقي للعلم. وذلك عكس الفكرة السائدة التي تقول ان الطريقة العلمية في التفكير والعمل والانتقال من الأسباب إلى النتائج، عبر مراحل محددة ومنظمة، إنما هي طريقة المنهج العلمي الذي تحرّكه المعرفة، وتجعله بمنأى تام عن الخطأ.
وما يؤكده فيرستاين، أن الكثير من البشر يحملون انطباعا خاطئا عن العلم، باعتباره طريق الوضوح في الوصول إلى الأشياء، وإلى دفعها إلى الأمام. لكن هذا الانطباع خاطئ إلى حد كبير. فالعلم هو، غالبا، مثل البحث عن هرٍ أسود في غرفة مظلمة، وفضلا عن ذلك ربما لا يوجد في الغرفة هر بالأصل. ويلفت إلى أن مسيرة العلم ملتوية أكثر من ما يمكن أن تتصوره المخيلة.
إن المؤلف يحاول في هذا الكتاب عموما، أن يجري عملية تفكيك للأسطورة القائلة ان المعرفة تقود الجهل. وبالمقابل، محاولة البرهنة على أن العكس هو الصحيح.
وبهذا المعنى، يرى المؤلف أن الجهل يفتح نافذة على الطبيعة الحقيقية للبحث العلمي. وفي كل الحالات يحدث الانطلاق في مجال البحث، من منطلق فضول التعرّف على ما نجهله ضمن ما يحيط بنا عامّة، وما يدفع الجمهور العريض إلى محاولة التواصل مع العلم، حسب اهتماماتهم.
ويشرح فيرستاين في هذا السياق، أن الأدوات المستخدمة في اقتصاد المعلومات وشعاراته في البلدان الغربية المتقدمة، لا تقدم سوى القليل في ما يخص أسئلة يكون منها تشجيع الفضول العلمي. ذلك أن الثقافة السائدة تنظر إلى العلم وكأنه مسار بسيط يقوم على أساس وضع حجر من المعرفة، على آخر، ما ينتج منه في المحصلة، عملية تقدم محسوبة نحو معرفة أكبر.
ويشير المؤلف الى أن رجال العلم، وبدلا من تكديس الأحداث والوقائع، يقومون باستخدامها كمادة أولية. ثم يطلق نوعا من التحذير مفاده: "ان فهم المادة الأولية باعتبارها خطأ، ربما تترتب عليه نتائج كبيرة. ففهم هذا الخطأ وتشعّباته وإعادة وضعه في المسار الصحيح، أمور حاسمة من أجل فهم العلوم". وبناء على مثل هذا الرأي، يخرج المؤلف بالتعريف التالي للعلم: "العلم الحقيقي، عملية مراجعة جارية ومستمرّة ودائمة، تقوم عبر طفرات للتغلّب على الجهل".
وبهذا المعنى يجد المؤلف أن ما ينطبق على العلم، صالح أيضا بالنسبة لمختلف النشاطات الإبداعية الإنسانية. وهذا ما يعبّر عنه: "أن يكون المرء عالما، وباحثا علميا حقيقيا، أمر يتطلّب بالضرورة، امتلاك قناعة راسخة في إطار من الواقع المتموّج، وإيجاد المتعة في ما هو عالم من الأسرار، وتعلّم تغذية الشك. وليس هناك وسيلة أكثر ضمانا من أجل إحباط تجربة، من التأكد القاطع المسبق بنتيجتها".
وتتضمن خاتمة الكتاب، دراسة أربع حالات محددة، حول دور الجهل كمحرّك باتجاه المعرفة فيها، وهي: علم النفس والفيزياء النظرية وعلم الفلك والعلوم العصبية. وعبر هذه الميادين، يوضح المؤلّف المعركة التي يخوضها العلم كل يوم، ومدى النجاح في ممارسة العلم أو في فهمه، مؤكدا النتيجة القائلة: "إننا نقدّر قيمة العلم، بمقدار الجهل الذي حدد رهاناته".
المؤلف في سطور
ستيوارت فيرستاين. أستاذ ومدير قسم العلوم الحيوية البيولوجية- في جامعة كولومبيا. تحظى الدروس التي يقدمها، بحضور أعداد كبيرة من المهتمّين بالعلوم ودورها في المجتمعات. نال العديد من الجوائز العلمية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة البريطانية.
الكتاب: الجهل، كيف يقود الجهل العلم
المؤلف: ستيوارت فيرستاين
الناشر: جامعة اكسفورد 2012
الصفحات: 195 صفحة
القطع: المتوسط

