تتلخص الفكرة الشائعة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، في كونه بمثابة جهاز الشرطة الأميركية الأول. ولكن موضع اهتمامه الرئيسي عالم الاستخبارات والأجهزة السرية. هذا ما يشرحه الصحافي الأميركي تيم وينر، المتخصص في تاريخ الأجهزة السرية الأميركية ونشاطاتها، في كتابه: "أعداء.. تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي".

يتعرّض المؤلف في كتابه، الى الطرق التي لجأ إليها الرؤساء الأميركيون، لاستخدام المكتب المعني، باعتباره "قوة الاستخبارات الأكثر براعة في التاريخ الأميركي". والقاعدة العامة التي يؤكدها المؤلف، هي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي وجّه نشاطاته ضد كل شخص اعتبره يشكل خطرا على أمن الولايات المتحدة الأميركية، بل راقب أحيانا، ضمن هذا الإطار، الرؤساء الأميركيين أنفسهم.

تتوزع مواد الكتاب، بين أربعة أقسام رئيسية. منها: جواسيس ومخرّبون. وفي كل قسم، وما يناظره من فترة زمنية من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، يشرح تيم وينر، الغاية الاساسية، أو الأهداف الرئيسية، التي حددها مكتب التحقيقات الفيدرالي في صلب اهتماماته.

هذا مع التركيز على بعض الظواهر والأحداث البارزة، مثل خفايا ما يسمّى بـ"الماكارثية".

ويبين المؤلف أن مكتب التحقيقات الفيدرالي أعطى أهمية خاصة لمكافحة الجاسوسية الخارجية، التي نشطت كثيرا، خاصة في إطار الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

ويذكر المؤلف، بأشكال مختلفة، تلك الآراء العديدة التي صدرت عن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، بما يعني تركيزهم على القول: "ينبغي علينا أن نبقى حذرين حيال مختلف الأخطار. لكن شريطة عدم المساس بالحريات المدنية عبر ذلك".

ويحدد المؤلف القول ان تجربة الحذر من جهة، واحترام الحريات العامة، كانت قد عرفت ترجمتها على أرض الواقع، في الامتحان الذي تعرّض له مكتب التحقيقات الفيدرالي في ظل رئيسه ادغار هوفر، الذي بقي على رأس الجهاز مدّة 48 سنة.

ويشرح المؤلف أن غالبية الرؤساء الأميركيين وأصحاب المناصب العليا في الدولة، يلقون جانبا، معتقداتهم القديمة، عندما يصلون إلى السلطة، ويتصرفون على أساس أنهم فوق القانون. والأمثلة التي يذكرها المؤلف كثيرا في هذا السياق، الرؤساء: ريشارد نيكسون ورينالد ريغان وبيل كلنتون. كما يبين أنه حتى الرئيس باراك اوباما، المعروف عنه أنه خبير دستوري، إذ كانت دراساته في جامعة هارفارد قد أهلّته لذلك، وقع قوانين خاصة بالدفاع الوطني، تسمح، من دون تحديد دقيق، بمحاسبة كل مواطن أميركي يدعم القوى التي أسهمت في عمليات اعتداء على الولايات المتحدة الأميركية أو على شركائها في التحالفات الدولية.

وفي المحصلة، يصل المؤلف إلى القول، ان الرئيس تيودور روزفلت، أسس مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي ورث مكتب التحقيقات السابق له، ضد رغبة الكونغرس الأميركي، موضحا ان هذا المكتب - الهيئة، الذي ليس له أي ميثاق، حاز على موافقة الكونغرس.

وهذا بالإضافة إلى أن مصادر تمويل مكتب التحقيقات الفيدرالي، ليست واضحة ولا شفافة، بل هي تتمتع بقدر مهم من السرية منذ البداية. إن مؤلف الكتاب، ومن خلال دراسته لآلية عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتعرّضه للعديد من العمليات السرية الناجحة التي قام بها، يشير بالمقابل إلى العديد من أشكال الفشل التي عرفها، وليس أقلّها بروزا فشله في الكشف عن التحضيرات لتفجيرات 11 سبتمبر 2001، في نيويورك وواشنطن. ويشير المؤلف، في هذا السياق، إلى أن روبرت ميلر، كان قد هدد بالاستقالة، مع عدد من كبار موظفي المكتب، إذا لم تقرر إدارة جورج بوش، شرعية التجسس الداخلي، بعد سبتمبر 2001.

 المؤلف في سطور

 تيم وينر. كاتب وصحافي أميركي شهير. جعل من أجهزة الاستخبارات الأميركية ومن وزارة الدفاع البنتاغون، موضوع اهتمامه الرئيسي. نال عن أعماله حولهما: جائزة "بوليتزر" للصحافة، "الجائزة الوطنية للكتب".

 الكتاب: أعداء.. تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي

المؤلف: تيم وينر

الناشر: راندوم هاوس- نيويورك 2012

الصفحات: 560 صفحة

القطع: المتوسط