شاعت في الفترة الأخيرة، موجة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي جعلت من مسألة ازدواج الشخصية والتناوب بين العصاب والاكتئاب، موضوعاً لها. وربما بدقة أكثر الازدواج في المزاج والمراوحة باستمرار، بين الغبطة المفرطة والانهيار العصبي، وما بينهما. وتدل الإحصاءات أن مثل هذه الأعراض تصيب نسبة، تتراوح بين 1 بالمائة و2 بالمائة في المجتمعات الغربية، حسب المصادر الطبيّة المختصة.

«روز هيرفي» هو الاسم المستعار لسيدة فرنسية في الثامنة والثلاثين من عمرها. عاشت لسنوات في الكونغو في إفريقيا، حيث كانت برفقة زوجها «ستيفان» الذي يعمل طيّاراً وقد أسندت له شركته عملاً في الكونغو. وجدت روز عملاً لها في المدينة التي يعمل بها زوجها، بصفة محاسبة في إحدى الشركات. وهذه التفاصيل كلها ترويها روز هيرفي، في مقدمة كتابها الذي يحمل عنوان: «إفريقيا كما عشتها، والوقوع في الهاوية».

لكن أية هاوية تقصد؟!

بدأ سقوطها، كما تقول، قبل ست سنوات، عندما شخّص لها الأطباء أنها مصابة بـمرض العصاب والاكتئاب. وهي تصف حالتها: «تتعاقب في حياتي خلال يوم واحد، حالتان متناقضتان تماماً، بين الحبور العارم والانهيار العصبي التام». وتؤكد أنها تريد أن تقدم في كتابها شهادة عن المعركة التي تخوضها منذ سنوات، ضد ما تسميه «الأنا المظلمة» التي تقبع في داخلها، من دون أن تدرك ذلك.

وتشرح هرفي أن بداية الأعراض التي عانت منها، تمثّلت عندما كانت تمارس عملها بشكل طبيعي، بل وبكثير من النشاط. وتكتب: «دون أن أدرك ذلك، دخلت في فترة من الفرح المفرط. كنت مليئة بالنشاط وأمارس عملي مثل المجنونة. وأصبحت أخرج من المنزل كل يوم ولم أعد أنام إلا قليلاً. وفي الوقت نفسه أصبح ستيفان، الزوج، وأطفالي، بمثابة عقبات أمام ما كنت أعتقد أنه تفتّحي وازدهار شخصيتي».

وتلك الأعراض لم تقتصر على المشاعر والأحاسيس، ولكنها دفعت صاحبتها إلى اتخاذ خطوات عملية في سبيل تحقيق ما تعتقده سعادتها. فغادرت المنزل وابتعدت عن أسرتها وأطفالها، كي تعيش في فندق في المدينة. وأصبحت تتنقل من مقهى إلى آخر، بلا هدف محدد.

وحصل أنها أعطت، ذات يوم، مفتاح سيارتها لشخص لم تكن تعرفه أبداً. وفي إحدى نوباتها قامت «روز»، كما تقول، بـ«تكسير كل ما كان يحيط بها من أشياء، مع صراخ وبكاء». وكان قرار الأطباء إعادتها إلى فرنسا. وفي باريس، كان التشخيص لا لبس ولا تردد فيه، وهي أنها مصابة بـما يسمّى في علم النفس، مرض «العصاب والاكتئاب». وبالتالي كان مصيرها المستشفى وكمية كبيرة من الأدوية.

وما فهمته المؤلفة أيضاً، وتريد أن تنقله لقرّائها، هو أنه بمقدار ما تكون الرعاية الطبية مبكّرة، يمكن أن تزيد حظوظ المريض في أن يعيش حياة طبيعية مثل الآخرين. لكن المشكلة الكبرى هي في التشخيص، إذ إن النوبات الأولى تمرّ من دون أن تثير الانتباه، وبالتالي يأتي التشخيص متأخراً. والخطر الآخر في التشخيص المتأخر، هو أن الحالة ربما تصبح مزمنة ويصعب علاجها بسبب تأصّلها في شخصية المعني بها، ويغدو الاندماج الاجتماعي للمريض، صعباً جداً في محيطه.

لكن، ورغم كل الآلام التي عانت منها، عرفت روز هيرفي، كيف تخرج شيئاً فشيئاً، من حالتها، عبر تعلّمها كيف «تروّض الأنا المظلمة في داخلها»، وأن تضبط عملية ما تأخذه من عقاقير مهدئة. كما لعبت أسرتها دوراً مهماً في مساعدتها. إذ تعلّمت كيف تتعايش معها. وقبل الجميع عدم مشاهدة نشرات الأخبار، فروز لم تكن تتحمّل ذلك.

والمهم أن تعيش حياة رتيبة بطريقة حازمة. وتكتب: «هذا أمر حيوي بالنسبة لي. هكذا أعاني دائماً في مطلع كل عام دراسي، وفي بداية العطلات المدرسية. ذلك بسبب التشوش في العادات السائدة في العيش». وأما العون الأكبر فتحدده روز هيرفي في الكتابة. وهي تروي قصتها تحت اسم مستعار، حيث إن المرء إن كان «عصابياً- اكتئابياً»، أمر يعني بنظر الآخرين، أنه «مصاب بلوثة جنون».

 المؤلفة في سطور

 أمضت «روز هيرفي»، سنوات عدة في إفريقيا، بعد أن كانت قد عملت مضيفة جويّة مدة عشر سنوات. وهي متفرّغة حالياً لتربية طفليها. و«إفريقيا كما عشتها» كتابها الوحيد الذي يحتوي شهادتها على تجربة تعيسة ومريرة عاشتها.

 الكتاب: إفريقيا كما عشتها، والوقوع

في الهاوية

المؤلف: روز هيرفي

الناشر: جيت دانكر - باريس- 2012

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط