يهتم شارل روزن، عازف بيانو أميركي شهير، بالموسيقى والأدب، وهو يقدّم عنهما كتاباً تحت عنوان «الحرية والفنون». والرسالة الأساسية في هذا العمل، أنه لا فن من دون حرية تحوم في الأجواء العامة، أو يخترعها الفنان كي يستنشق هواءها.
ويذكّر المؤلف في البداية، ببعض المحطات التي شهدتها مسيرة حياته الفنيّة، مشيراً إلى أنه لم يكن أي من والديه موسيقياً محترفاً. لكن أمه كانت تعزف قليلاً، على البيانو. وبدأ هو بالتقاط بعض المقاطع الموسيقية المعزوفة على البيانو، منذ أن كان عمره أربع سنوات.
ويوضح المؤلف أن غالبية عازفي البيانو المحترفين، يبدؤون الاهتمام بالعزف منذ تلك السن المبكّرة. فموزارت كان قد قام بتأليف الموسيقى منذ أن كان طفلاً.
ويرى المؤلف أنه في الأدب، كما في الفن، ينبغي المحافظة على الماضي واستقبال الحاضر، وفي الوقت نفسه، الوصول إلى توازن صعب، بين هذا وذاك، مع الإخلاص دائماً للذات. ويحذّر بوضوح من الإفراط في الانسياق إلى مقولات جامدة، في ما يتعلق بمقاربة فنون الماضي.
وبهذا المعنى لا ينبغي التوقف عند أعمال ويليام شكسبير في سياق انتمائها إلى عصرها حصراً. وكذلك لا ينبغي تحديث المسرحيات التي كتبها من دون معرفة ما كانت تحمله من معان وقيم في عصرها. فهذا الخيار أو ذاك، يمكن أن «يشوّها العمل، وبالتالي يجعلانه أقل أهمية».
ويعود المؤلف كثيراً، إلى دراسة حالة موزارت. ويشير إلى أنه كان قد اكتسب شهرة كبيرة كأحد معلّمي أوروبا الكبار على الصعيد الموسيقي. وينقل المؤلف أنه خلال سنوات الثمانينات في القرن الثامن عشر، وخلال محادثة مع إمبراطور النمسا جوزيف الثاني، قارن المؤلف الموسيقي الشهير آنذاك، كارل فون ديترسدورف، موزارت بـكلوبستوك، الشاعر الشهير، مبيناً صعوبة أسلوب الأخير. والذي كان قد ترجم الأشعار اليونانية الكلاسيكية، إلى اللغة الألمانية.
لكن، وبعد عقدين من الزمن، زادت شهرة موزارت وتعاظمت لتبلغ أوج انتشارها. وأخذت موسيقاه موقعاً خولها للاستمرار على مرّ القرون. وفي رواية تعود إلى عام 1803، يتعرّض مؤلفها جان بول، سيّد التيار الرومانسي آنذاك، إلى محادثة جرت حول الموسيقى، شبّه المنخرطون فيها هايدن وغلوك وموزارت، بأخيل وسوفوكليس وأوربيد. وعندها اعترض أحد المشاركين بالمحادثة قائلاً: «كل ما قيل مقبول بالنسبة لغلوك وهايدن، أما موزارت فإنه كان يشابه بالأحرى شكسبير».
ذلك التداخل بين الموسيقى والأدب تعرّض له، بعد سنوات قليلة فقط، أحد طلبة جان بول. إذ شبّه موسيقى بيتهوفن، في سمفونيته البطولية، بأدب أستاذه، كما شبه موزارت بـشيلر من حيث انفعالاته. وفي القرن التاسع عشر تغيّرت المقارنات، وأشكال إطلاق أوجه للشبه بين الموسيقيين والأدباء والرسامين.
وهكذا غدا موزارت مرتبطاً في التحليلات الأدبية والفنية، بالرسام رافائيل، ويشير المؤلف إلى أن رساماً آخر، هو آنغر، ربما يكون وراء تلك المكانة. وبالتالي تحوّل موزارت من نموذج للرومانسية إلى عنوان لـلكلاسيكية. وقبل الحرب العالمية الثانية خفت إلى حد كبير نجم كل من موزارت ورافائيل، على خلفية صعود التيار الطليعي في الموسيقى والأدب، وانتقاده الكبير للفن الكلاسيكي.
ويتعمد روزن في كتابه، تقديم رؤيته ونظرته الشاملة لأشكال تبدّي التاريخ والفلسفة والأدب والموسيقى، بوضوح، في عمل واحد ينتمي مبدئياً إلى صفة واحد من هذه المشارب كلها. وهذا مع التركيز والذهاب أبعد، في عمق العمل وتفحّص الإمكانات المتعددة في الأدب والموسيقى بشكل خاص.
المؤلف في سطور
شارل روزن، عازف بيانو أميركي. من مواليد مدينة نيويورك عام 1927. كرّمه الرئيس الأميركي باراك أوباما بميدالية وطنية عام 2011. درّس مادة الموسيقى في جامعتي هارفارد وأكسفورد.
الكتاب: الحرية والفنون: دراسة حول الموسيقى والأدب
المؤلف: شارل روزن
الناشر: جامعة هارفارد 2012
الصفحات: الصفحات: 438 صفحة
القطع: المتوسط
