يقال عن القارة الأوروبية، إنها القارّة العجوز، وكُثر هم الذين وصفوا فرنسا بالسيدة العجوز المصابة بـمرض الشيخوخة. واجتهد البعض في تقديم ما اعتبروه العلاج الشافي، أو على الأقل، ما يمكنه أن يخفف من آلام الشيخوخة.

هكذا جرى الحديث عن التنظيم والضبط وتقديم المساعدات والحماية في مختلف المجالات. لكن هذا كله لم يكن شافيا، ذلك أن هناك خطأ كبيرا في التشخيص، فالمرض الذي تعاني منه فرنسا ليس هو المزعوم. وهذه هي الأطروحة التي ينطلق منها مؤلفا كتاب "فرنسا المراهقة"، الأستاذ الجامعي ماتيو لين والمتخصص النفساني بمشاكل المراهقة، باتريس هوير.

إن فرنسا ليست مصابة بمرض الشيخوخة، كما يؤكد المؤلفان، ولكنها تعاني بالأحرى، من أزمة مراهقة عميقة، تتطلب علاجات مغايرة تماما لمختلف ما اقترحه من قاموا بتشخيص حالتها. والعلاجات المقترحة تقوم على أساس إدراك أوراقها الرابحة، وإبعاد أهاليها الذين يثقلون عليها، إلى درجة تهديدها بالاختناق.

إن المؤلفين، يبتعدان على مدى صفحات الكتاب، في مختلف تحليلاتهما، عن ما يسميانه "نزعة التقهقر" السائدة في فرنسا، خلال العقود الأخيرة، وكذا إعادة مثل هذه النزعة إلى أعراض الشيخوخة التي قيل كثيرا انها تعاني منها. وهما يعودان إلى الرؤية التي قدّمها الجنرال شارل ديغول لفرنسا، وذلك من خلال نسختين أو فكرتين عنها. فكرة تتجسد فيها فرنسا بهيئة أميرة أسطورية، وأخرى اعتبر فيها فرنسا بمثابة بلاد عزيزة وعجوز. ويسأل المؤلفان، كيف يمكن رسم صورة فرنسا في عام 2013، من دون الوقوع في مثل هذه الأساطير والعناوين العريضة؟.

الطروحات التي يقدمها المؤلفان واضحة ويعرضانها بلا مواربة. ومفادها، أن ماريان رمز الجمهورية الفرنسية- ليست بحالة جيدة، لكن مستقبلها مفتوح مع ذلك. وتعاني، كما يقدمانها أيضا، من أزمة هوية، وهذا هو الموضوع الذي كثرت حوله النقاشات العامة خلال السنوات الأخيرة. وما يطالب به المؤلفان، تركها تعبّر عن نفسها كما تشاء، وأن تصبح ما هي عليه في الحقيقة.

ويشرح المؤلفان، أن المجتمع الفرنسي يعاني من الإعاقة، بسبب السياسة الاجتماعية للدولة، التي نقلت إليه عجزها. ثم إن البلاد تعاني من العنف الذي وجهته ضد نفسها، على شاكلة المراهقين الذين يعرفون الظاهرة نفسها، خلال تلك السنّ المضطربة. ويلفت المؤلفان في هذا السياق، إلى ان الفرنسيين أحد أكثر شعوب العالم تناولا للأدوية والعقاقير المهدئة.

أما النخب الفرنسية، فإنها تعترف بأخطاء لم تقترفها أصلا، بل اقترفها آخرون. وتحتمي بقناع الضحيّة.. وفي مواجهة مختلف المشكلات والتحديات، تعاني فرنسا اليوم، من عقدة الانكفاء، ذلك في ما يسميه المؤلفان "عقدة تانغي".

لكن، ما هو مصير فرنسا "المراهقة"؟

يحدد المؤلفان صيغتين لأزمة المراهقة الفرنسية. تكمن إحداهما في رغبة الانتقال إلى سن البلوغ، وتميل الأخرى إلى عدم تخطّي سن الطفولة.ويشدد المؤلفان على أنه إذا كانت الدولة مسؤولة بالدرجة الأولى، عن حالة عدم النضج، فإنه لا يمكن تحميلها المسؤولية وحدها. ثم إن الناخبين أنفسهم، هم الذين يختارون من يحكمهم في بلد مثل فرنسا.

ويطلق المؤلفان في خاتمة تحليلاتهما، نوعا من الإنذار، موجها الى فرنسا، بأنه عليها أن تستيقظ، وأن تخرج من مراهقتها. ذلك أنها زاخرة بالإمكانات، لكنها تعاني من أزمة حقيقية وطاقتها الحيوية، يكبحها سياسيوها الذين يتركونها تعاني من التبعية. فالمهم أولا، الخروج من قوالب الفكر الجاهز. ومن حالة الإحباط المحيطة.

 المؤلفان في سطور

 ماتيو لين، أستاذ جامعي. مثقف فرنسي، يبدو اليوم بمثابة "الناطق باسم"، الفكر الليبرالي في فرنسا. من مؤلفاته: قاموس الليبرالية.

باتريس هوير، محلل نفساني ومتخصص في مشكلات سن المراهقة. من مؤلفاته: ليس ملاكا، ولا متوحشا.

 الكتاب: فرنسا المراهقة

المؤلف: ماتيو لين وباتريس هوير

الناشر: لاتيس - باريس- 2013

الصفحات: 260 صفحة

القطع: المتوسط