صدرت سلسلة طويلة من الكتب، في أميركا والعالم، موضوعها باراك اوباما. والكاتب ويضيف المؤرخ الأميركي دافيد مارانيس، كتابا آخر للسلسلة. ولكنه يختلف عن غيره في أنه يتعرض لـ"حكاية باراك اوباما"، ابتداء من عدة عقود قبل ولادته، وينتهي عام 1988 .
ويختار مؤلف الكتاب، استعراض عدد من المعلومات التي يظن الجميع أنها معروفة تماما، مثل تلك المتعلقة بوالدته الأميركية ووالده الإفريقي- من كينيا. لكن مثل هذه المعلومات يدرجها تحت أضواء جديدة، عبر العودة إلى فترة ثمانية عقود قبل ولادة اوباما، للتعرف على الأجداد القدامى للرئيس الأميركي الحالي.
ويعود المؤلف إلى تلك المدرسة، حيث يوجد على أحد الأرصفة القريبة منها، اسم منقوش، منذ عشرات السنوات.. اسم حفر على الاسمنت قبل جفافه، بواسطة الإبهام أو السبابة. والاسم هو :اوباما. ولم تكن هناك أية دلالة تاريخية لذلك الاسم المنقوش، سابقا، لكن الحال تغيرت.
وينتقل المؤلف بعد ذلك، إلى التخوم الغربية من كينيا على بعد عدة ساعات من العاصمة نيروبي، وفي منطقة قريبة من خليج فكتوريا. فهناك توجد قريتان: الأولى نيانغوما كوغيلو. وهناك كانت تعيش امرأة اسمها ماما ساره، التي أصبحت شهيرة في كينيا، على اعتبار أنها جدة اوباما.
اما القرية الثانية فهي اويوجيس، التي يصل إليها الزائر او المقيم، عبر منطقة هضاب نيانزا، حيث كانت تعيش سيدة عجوز، اسمها اوما ماجاك، التي كانت تقطن مع عدد من أبناء أسرتها. وعملت لسنوات في بيع الفحم، ضمن أحد الأكواخ على قارعة الطريق. واوما المغمورة تلك، هي ذات الصلة الدموية القريبة مع باراك اوباما. ذلك أنها شقيقة والده حسين اوباما.
ومشهد آخر ينقله المؤلف، هذه المرة من جاكارتا الأندونيسية. إذ كان الجو رطبا ودار سائق سيارة الأجرة التاكسي- في شوارع المدينة المزدحمة وصولا إلى زاوية شارعي الدكتور سوبومو والحاج برملي. وعندها رأى المؤلف، كما يقول، المنزل الذي عاش فيه باراك اوباما، قبل 40 سنة، عندما كان عمره ست سنوات، واستمرّت إقامته فيه حتى سن الثامنة.
وحمل يومها اسم باري سويتورو، ثم لولو سويتورو، أي اسم عائلة الزوج الثاني لوالدته. وكان عدد سكان جاكارتا يومها حوالي 5 ملايين نسمة. وتعلّم باري، باراك لاحقا، لغة الباهاز، أي اللغة الوطنية الاندونيسية حيث إن زملاءه في الصف اعتقدوا في نهاية سنته الدراسية الأولى، أنه اندونيسي أكثر سمرة من الآخرين.. واليوم يوجد على جدران قاعة، كان اوباما أحد تلامذتها، إعلان بالألوان، عليه صورة الرئيس اوباما وزوجته، وهما يبتسمان، ذلك ليلة قرر الحزب الديمقراطي الأميركي تعيينه لخوض الانتخابات الرئاسية، كمرشح له عام 2008.
وعلى خلفية مثل هذه التفاصيل، يحدد مارانيس مدلول كلمة إفريقية تُلفظ "جاداك"، وتعني، كما يكتب المؤلف: الأجنبي، المهاجر. وتبدو بمثابة "شتيمة تقريبا". ونقرأ: "هذه الكلمة تنطبق أولا على جدّ الرئيس الأميركي من جهة أبيه، حسين اوينانغو اوباما، الذي لم تعرف عائلته أربعة أجيال في منطقة ليولاند، الموجودة في غرب كينيا بالقرب من بحيرة فكتوريا.
وبالتالي كان ينظر إليهم أيضا،على أنهم بمثابة غرباء، أجانب". وهذه المكانة الثانوية والهامشية، تنطبق على مختلف الشخصيات التي يتعرّض المؤلف لذكرها، بما في ذلك الرئيس الأميركي نفسه، قبل صعوده السياسي وولوج أبواب عوالم عديدة. إنه بـ"لون بشرته الداكن وشعره المجعّد" كان يبدو بالنسبة لأغلب الأميركيين غريبا. وفي المقابل وبواقع أنه تربّى في "هاواي" بكنف جدّيه "البيض"، لم يكن مقبولا بشكل كامل لدى الأميركيين السود، حتى سنّ بلوغه.
وفي المحصلة وعلى مدى أكثر من 600 صفحة يقدّم مارانيس الكثير من التفاصيل حول أجداد الرئيس اوباما، البيض منهم والسود.
أما عبقرية اوباما، كما يحددها المؤلف، فتكمن في استطاعته، وهو الذي عمل في بداية مساره المهني في أحد أحياء شيكاغو السوداء، أن يخلق صورة فهمها الأميركيون. إنها صورة "رجل سياسة أسود معتدل أقنع الناخبين البيض فيه".
المؤلف في سطور
دافيد مارانيس. نائب رئيس تحرير صحيفة "واشنطن بوست". كتب عن بيل كلينتون وفيتنام. وأيضا: سنوات الستينات، الألعاب الأولمبية في روما عام 1960. نال جائزة "بوليتزر" عام 1993. كما حصد العديد من الجوائز الأميركية والعالمية، عن بعض أعماله.
الكتاب: باراك اوباما.. الحكاية
المؤلف: دافيد مارانيس
الناشر: سيمون وشستر- نيويورك 2012
الصفحات: 641 صفحة
القطع: المتوسط
Barack Obama, the history
David Maraniss
Simon and Schuster- New York - 2012
641 pp.
