بعد انهيار المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، نالت الجمهوريات السوفييتية السابقة، استقلالها السياسي. ومن بين هذه الجمهوريات بيلاروسيا، التي يخصّها آندرو ويلسون، الأستاذ في جامعة لندن، بكتاب يحمل عنوان: «بيلاروسيا، آخر دكتاتورية أوروبية».
يبدأ المؤلف عمله، بطرح سؤال عام مفاده: كيف يمكن تفسير أنه لا تزال هناك في بلد أوروبي، رقابة كاملة على جميع أبناء البلاد، ولا تتردد السلطات في أن تودع السجن أي معارض؟
الإجابة الإجمالية التي يشرحها المؤلف على مدى صفحات الكتاب، تتمثل في إعادة ذلك إلى وزن التاريخ وفضائل الاقتصاد وسياسة رئيس. وهو يفصّل، على مدى صفحات الكتاب، مبررات مثل هذه الإجابة.
ونجد أن الصورة التي يرسمها المؤلف لبيلاروسيا، تتمثل ملامحها الأكثر بروزاً، في القول إنه لا توجد في البلاد، منذ عام 2006، أية صحيفة مستقلة. وجميع الإذاعات والقنوات التلفزيونية، خاضعة للدولة. ثم إن مقاهي الإنترنت مطلوب من مستخدميها أن يبرزوا هويتهم الشخصية، وإبلاغ السلطات بجميع المواقع التي يقوم المستخدم بزيارتها.
ويشير إلى أنه بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة لعام 2010، زجّ المرشح المعارض للرئيس الحالي في السجن، رغم أنه لم يحصل سوى على 2,4 بالمائة من أصوات الناخبين. ونال عقوبة بالسجن لمدّة خمس سنوات.
وفي الجملة الأولى من الكتاب، يلفت ويلسون إلى أن الغرب يجهل بصورة كاملة تقريباً، أي شيء عن بيلوروسيا، ذلك وصولاً إلى تأكيده أنه ربما لا يوجد سوى القليل النادر من الغربيين الذين يعرفون أنه توجد بين بولندا وروسيا، بلاد تسمّى بيلاروسيا. هكذا يشير إلى أن دليلاً يحمل عنوان: «الاتحاد الأوروبي عام 2010، رؤية متفائلة للمستقبل». ونجد أن بيلاروسيا تشكل فيه جزءاً من روسيا.
ولذلك أراد المؤلف، كما يؤكد، أن يكون كتابه الأول باللغة الانجليزية يحاول اكتشاف الطريق المعقّدة التي سلكتها بيلاروسيا، لتكوين أمّة. وكي يتفحّص بدقة نهجها السياسي والاقتصادي، منذ عام 1991، أي منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق الذي حدث في السياق الذي خلقه انهيار جدار برلين، في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989.
يتوزع الكتاب بين قسمين رئيسيين. تتركز محاور القسم الأول، على تقديم لمحة للتاريخ البيلاروسي، بينما يعنى الثاني بتاريخ البلاد الحديث، أي عملياً منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991.
وإحدى نقاط انطلاق تحليلات المؤلف، تتمثّل في تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. ونشوء ما يعرف بـ«مجموعة الدول المستقلّة»، إثر توقيع «اتفاقية مينسك»، العاصمة البيلاروسية، من قبل بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا ما بعد الشيوعية، والرئيس الأوكراني ورئيس برلمان بيلاروسيا.
والهدف المعلن لتلك الاتفاقية، كان تسهيل حصول الجمهوريات السوفييتية السابقة، على استقلالها. وتطوير التعاون بين البلدان الموقعة عليها. وشملت «مجموعة الدول المستقلة»، بعد ذلك، عدداً من الجمهوريات السوفييتية السابقة، حول البلدان المؤسسة، أي روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.
وإحدى المشاكل الكبرى التي تعاني منها بيلاروسيا تاريخياً، أنها لا تمتلك أي منفذ على البحر، وهناك نحو 40 بالمائة من أراضيها، مغطاة بالغابات. وعلى الصعيد السياسي والاقتصادي، ظلّت البلاد بعيدة عن أي انفتاح، ومحافظة على النمط الأقرب من الاتحاد السوفييتي السابق. وعلى مستوى الزراعة والصناعة لا تزال بيلاروسيا قريبة من المستوى الذي كانت عليه في الحقبة السابقة، الشيوعية، خاصة في مجالات النشاط الاقتصادي الرئيسية في صناعة الجرارات الزراعية وآلات التبريد وتربية المواشي.
ويبين المؤلف أن لوكاشنكو وصل إلى الرئاسة بوساطة الانتخابات في عام 1994. وأعيد انتخابه في عام 2001، ثم عام 2006. وأخيراً في عام 2010.
كما يصف العمليات الانتخابية في بيلاروسيا بأنها مفبركة، وأن العديد من المؤسسات الأوروبية، بما فيها «المجلس الأوروبي» و«منظمة الأمن والتعاون الأوروبية»، احتج على سير الانتخابات في بيلاروسيا. واعتبر نظامها السياسي، ذا طابع ديكتاتوري وكآخر دكتاتورية أوروبية.
المؤلف في سطور
آندرو ويلسون. باحث وأستاذ في معهد الدراسات السلوفانية والأوروبية الشرقية في جامعة لندن. أحد المتخصصين المعروفين في أوكرانيا. سبق له أن قدّم عن هذه البلاد كتابين أصدرتهما جامعة يال الأميركية، يحمل أحدهما عنوان: الثورة البرتقالية. من مؤلفاته: الأساطير والأمّة.
الكتاب: بيلوروسيا، آخر دكتاتورية أوروبية
المؤلف: آندرو ويلسون
الناشر: جامعة يال 2012
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Belarus
Andrew Wilson
Yale University Press ذ 2012
256 pp.

