يؤكد المؤلف بداية، أنه خلال القرنين المنصرمين، قامت فكرة المستقبل بـتنوير الحاضر والماضي. أمّا اليوم فإننا نعيش تحت طغيان فكرة الحاضر التي تأصّلت في ظل ديكتاتورية السرعة، واتسع مجالها وتعمّقت جذورها، بحيث إن الحاضر غدا مصدر تنويره الذاتي. وهذا الترسيخ لفكرة الحاضر، جعل مفهوم التاريخ يواجه خطر الانحلال، ذلك بمعنى غض الطرف عن الماضي، وعدم الاهتمام بالمستقبل.
يؤكد المؤرخون الغربيون عامة، أن القرن التاسع عشر، كان هو الفترة الأكبر إنجازاً والأهم في التاريخ الإنساني. وتتميز إحدى سمات ذلك القرن بشيوع قناعة عامة أنه من المطلوب، ومن الممكن، رفع مستوى التاريخ إلى مصاف العلم نفسه.
ولم تتأخر الروايات الأدبية عن أن تجعل من هذا المشرب التاريخ، أحد مصادر استلهامها الرئيسية. ذلك على أساس أنه يشكّل صلة الوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأنه أيضاً الذي يقوم بمهمة تنظيم العالم ويعطيه معناه. باختصار، كان البشر يعتقدون بمركزية دور التاريخ.
لكن ماذا أصبح عليه وضع التاريخ وموقعه في عالم اليوم؟ وما هو دور المؤرخ؟ وهل يمكن الاعتقاد أيضاً بالدور المركزي للتاريخ؟ ومن الذي يصنع التاريخ؟ تشكل الإجابة عن هذه الأسئلة، والعديد غيرها، موضوع كتاب المؤرخ الفرنسي فرانسوا هارتوغ، الذي يبحث فيه تطوّر مفهوم التاريخ، منذ القرن التاسع عشر، وحتى الحقبة الراهنة.
يؤكد المؤلف بداية، أنه خلال القرنين المنصرمين، قامت فكرة المستقبل بـتنوير الحاضر والماضي. أمّا اليوم فإننا نعيش تحت طغيان فكرة الحاضر التي تأصّلت في ظل ديكتاتورية السرعة، واتسع مجالها وتعمّقت جذورها، بحيث ان الحاضر غدا مصدر تنويره الذاتي.
وهذا الترسيخ لفكرة الحاضر، جعل مفهوم التاريخ يواجه خطر الانحلال، ذلك بمعنى غض الطرف عن الماضي، وعدم الاهتمام بالمستقبل.
ويذكّر فرانسوا هارتوغ بفترة ليست بعيدة، كان الشباب فيها يضعون ساعة بيدهم.. تدل عقاربها على مرور الدقائق والثواني والساعات. بمعنى آخر تدل على مرور الزمن. ومثل هذه الصورة تراجعت كثيراً مع استخدام الهاتف النقّال: الموبايل. والتأكيد على اللحظة الراهنة، مع تلاشٍ كبير لكل ما يدل على مرور الزمن. وهكذا أصبحنا نعيش في الحاضر دائماً، كما نقرأ. وبهذا المعنى يميّز المؤلف بين الزمن الرقمي والزمن الميكانيكي.
وفي المقابل، يشدد المؤلف على استمرار ما يسميه بالبرمجة الاجتماعية للفرد، في ضبط إيقاع حياته وتخطيط عمل الغد والمحافظة على مواعيد الدروس، لافتاً إلى انه انبثق، في الوقت نفسه، زمن مختلف. ذلك أن الطلبة يمتلكون بغالبيتهم، هواتف نقاّلة. ويتبادلون الرسائل الإلكترونية. والنتيجة هي أن زمن الشباب، حالياً، لم يعد هو نفسه زمن آبائهم. إذ أصبحت ظاهرة التسارع تتحكّم بالكثير من طرق عيش البشر.
ويجد المؤلف أن الوجه الآخر لظاهرة التسارع في إطار الحاضر النائم، تكمن في التباطؤ. وهو الأمر الذي يترجم بوجود أعداد متزايدة من أولئك الذين تُطلق عليهم تسميات: المتروكين، الذين يعيشون على قارعة الطريق، الذين لا يستطيعون توفير سبل العيش. فهؤلاء يعرفون حالة من الهشاشة المستدامة في أحيان كثيرة.
ويشير المؤلف في هذا السياق الى أن ثورة 1789 في فرنسا، الثورة الفرنسية الكبرى، أفسحت الطريق لازدهار فكرة المستقبل الأفضل. وكان المفكر الفرنسي، وأب الفكر السياسي، كوندورسيه، قد أقام نظريات متكاملة حول تلك الفكرة. لكن، وفي المقابل، لم ينتج سقوط جدار في برلين عام 1989 أية فكرة للتفاؤل في المستقبل. ذلك أن بلدان أوروبا الشرقية كانت محصنة ضد فكرة المستقبل المشعّ، منذ فترة طويلة.
وفي القرن التاسع عشر، وجزء همهم من القرن العشرين، كان البشر يعيشون، إما داخل الأزمنة، أو خارجها. ذلك أنه كانت هناك دائماً حركة نحو الأمام أو نحو الوراء. ويكون المرء من الطليعة أو من التقليديين، بالمعنى الزمني. أو من أنصار التقدم أو من الرجعيين.
المؤلف في سطور
فرانسوا هارتوغ، مؤرخ فرنسي، يشغل مقعد تدريس التاريخ القديم في المدرسة الفرنسية العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. من مؤلفاته: منظومات التاريخ، تجارب الزمن.
الكتاب: الاعتقاد بالتاريخ
المؤلف: فرانسوا هارتوغ
الناشر: فلاماريون - باريس- 2013
الصفحات: 375 صفحة
القطع: المتوسط
Croire en lصhistoire
François Hartog
Flammarion - Paris- 2013
375 pp.
