كاتدرائية تورينغ

يعيش العالم، حاليا، عصر الانترنت، أحد أهم منجزات الثورة الرقمية. وهناك فكرة شائعة، مفادها أن الحاسوب الإلكتروني هو نتاج تكنولوجيات مدنية، جرى تمويلها من قبل مجموعات واستثمارات، بعيدة عن أية غايات عسكرية.

وهذه الفكرة يؤكد مؤرخ العلوم الأميركي- الكندي جورج دايزون، أنها خاطئة، وأن الحاسوب جرى تصميمه في خضمّ فترة الحرب الباردة من قبل عالم رياضيات هنغاري مناهض للشيوعية، كان قد هاجر إلى أميركا، وهو جون فون نيومن. وهذا بالتحديد، موضوع كتاب دايزون، الذي يحمل عنوان "كاتدرائية تورينغ". إذ يكرّسه للبحث في أصول العالم الرقمي، كما جاء في عنوانه الفرعي.

يبين المؤلف انه سعى نيومن لصناعة حاسوب بهدف قياس النتائج التي تترتب على انفجار حراري- نووي. وفي نهاية سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، رأى النور أول حاسوب حقيقي، أي جهاز للحساب الرقمي ذي الاستخدامات المتعددة. وكان أول عمل لذلك الحاسوب، إجراء الحسابات الضرورية لتصنيع نموذج من القنبلة الهيدروجينية.

إذ أنجز تلك المهمة بنجاح وسمحت دقة الحسابات التي وفّرها، بالحصول على تلك القنبلة التي جرى اختبارها في صباح اليوم الأول من نوفمبر عام 1952، في إحدى جزر جنوب المحيط الهادئ- الباسفيكي. وكانت آثارها شديدة التخريب ووجدت بعد التفجير، أعداد ضخمة من الأسماك الميتة على شواطئ الجزيرة. وينقل المؤلف عن أحد المهتمّين بالأحياء البحرية، أن تلك الأسماك كانت بدون جلد على أحد جانبيها، وكأنها وُضعت في مقلاة عالية الحرارة.

كان مؤسسو "معهد الأبحاث المتقدمة"، قد قرروا منذ البداية الاهتمام بالرياضيات، لـقيمتها الكونية وعدم كلفتها المادية - إذ لا تحتاج سوى إلى قاعات وكتب وأوراق وأقلام. وكان من روّاد المعهد، عام 1933، البير انشتاين، ذلك في السنة نفسها، التي وظّف فيها المعهد نيومن كباحث في الرياضيات.

ولم يصبح المعهد "فردوسا للإبداع الفني"، إنما غدا مختبرا لتصنيع القنبلة الذرية. وكانت الاعتراضات في داخله ليست قليلة، حيث ينقل المؤلف عن أحد الأحياء، أنه كتب ذات يوم على عربة نيومن، عبارة: "أوقفوا تصنيع القنبلة".

إن عبقرية نيومن في الرياضيات كانت تقارب كثيرا عبقرية انشتاين، لكن أسلوب عمليهما كان شديد الاختلاف. فانشتاين كان يبحث عن صياغة نظرية دقيقة، بينما كان نيومن رجل توليف وتجميع. وكانت قدراته الفكرية تساعده كثيرا في فهم ما يريد الآخرون قوله، قبل إنهاء كلامهم.

ويشرح دايزون أن نيومن كان قد صمم مشروع تصنيع حاسوب، عند نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان قد عمل قبل ذلك على إنجاز القنبلة الذريّة في لوس الاموس، حيث كان وظف على أساس تجربته في مجال ا لصياغة الرياضية لموجات الصدمة. وما يؤكده المؤلف، هو أن نيومن أهمل، عن قصد وتصميم، ذكر من كان بمثابة أول من أثبت نظريا إمكانية تصنيع حاسوب شامل، والمقصود هو الان تورينغ، الشاب الانجليزي الذي قدم إلى برنستون في الولايات المتحدّة الأميركية، لتحضير شهادة دكتوراه في مادة الرياضيات.

 

هكذا كان مفهوم "تورينغ" لصناعة حاسوب، بمثابة نتاج تفكير منطقي صرف. ويشير المؤلف الى أنه عندما وصل الطالب الانجليزي إلى برنستون، كان نيومن "جعلى علم كامل بأعماله.

وكانت شخصيتا الرجلين :نيومن وتورينغ، مختلفتين، لكنهما كانا يشتركان بموهبة فهم جوهر منطق الأشياء. وفي عام 1938 عندما حصل تورينغ على شهادة الدكتوراه، رفض أن يعمل كمساعد لنيومن، وفضل العودة إلى بلاده، حيث كانت تدّق طبول الحرب.

ويكتب دايزون: "يمكن تقسيم تاريخ المعلوماتية، بين فلاسفة قدماء على، رأسهم لايبنز، حددوا الإطار المنطقي، وبين علماء جدد، على رأسهم نيومن، صنعوا الآلات". ويضيف: "إن موقع تورينغ هو بين هؤلاء وأولئك.. ذلك أنه هو الذي أوحى لنيومن برؤية الحاسوب، على أساس أنه آلة منطقية بجوهرها".

 

 

 

الكتاب: كاتدرائية تورينغ حول أصول العالم الرقمي

المؤلف: جورج دايزون

الناشر: بانتيون- نيويورك 2012

الصفحات: 432 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Toringصs cathedral

Georges Dyson

Pantheon ذ New York - 2012

432 pp.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات