يبين المؤلف ان هذا الإنسان المبسّط، مطلوب منه أن يضغط على زر، حتى ينال الخدمة التي يطلبها، وهذا يعني أن السلوك الإنساني، بات يغدو ذا طبيعة ميكانيكية، عبر خضوعه لـمنطق الآلة، الذي يفتقر تماما، إلى أي غموض أو انفعال. وهذا ما يرى فيه المؤلف، ابتعادا عن الطبيعة الإنسانية التي تميل إلى التعقيد، ويعتبره خضوعا يقبله البشر تدريجيا باسم المفاهيم العلمية وأشكال التقدم التكنولوجي.
وفي المقابل، يرى مؤلف الكتاب، أن هذه العبودية الإرادية، أنتجت بدورها، تمرّدا من نمط جديد. إنه التمرّد الذي يعلن على أساسه الإنسان، أنه كائن معقّد لا يقبل بتبسيطه. ويعتبر أن دونيته، بالقياس إلى الآلة، دليل على حريته، وأن الحماقة الإنسانية أفضل من رتابة حياة الآلة.
لا يكتفي المؤلف، بالتأكيد على أهمية الغضب الإنساني، بل يشير الى أنه ما دفعه إلى تأليف هذا الكتابـ ذلك كمحاولة لـ"هزّ مشاعر البشر"، بهدف مواجهة حالة الخمول، التي دفعتهم إليها التكنولوجيا وجعلتهم يفقدون ذواتهم المعقّدة. وكذلك تنوعهم. إذ غدوا يتصرفون وكأنهم نموذج يتكرر. وهذا كله بسبب ما يسمى بالآلات الذكيّة، التي يقال ان هدفها تسهيل العيش، بينما هي تقوم في الحقيقة، بمصادرته، ذاك عبر اختزاله إلى مجموعة من الأطر الجامدة.
ويشرح جان ميشيل بيسنييه، أن التقدم الظاهري الهائل، الذي تنمّ عنه أدوات التواصل الرقمية عبر ما يُعرف بـشبكات التواصل الاجتماعي، وكذا الثراء المزعوم لعالم الإعلام، إنما يحجبان في الواقع، قدرتنا على التركيز والاختيار، وبالتالي، يشكل هذا الامر، تهديدا حقيقيا لحرية العيش، عبر إفقار فهمنا للعالم وتبسيط حياتنا. وفي محصلة هذا النهج من التحليل، يصل المؤلف إلى القول ان التكنولوجيا المسيطرة، وما رافقها من إلغاء للزمان والمكان، لا تؤدي سوى إلى شيء واحد، وهو إيجاد نمط من البشر، من دون أية مرجعية أو أي تفكير داخلي.
ويشرح المؤلف، في معرض التوضيح حول حيثيات وجوانب فكرة كون التكنولوجيات تستطيع أن تغيّر الإنسان، أنها عمليا، ليست جديدة، بل رافقت إلى حد كبير، عملية إعطاء الصبغة الإنسانية للمجتمعات البشرية، منذ تكوّنها مع اختراع الآلات الحجرية أو منذ قرون الحيوانات.والتكنولوجيات هي التي اخترعت مفهوم الإنسان الحديث، ذلك بمعنى أنها هي التي سمحت له بتطوير فكر قائم على المفاهيم، حسب ما يؤكّد المؤلف.
ويرى أن التكنولوجيات هي التي جعلت الإنسان كائنا ثقافيا ومنتجا للثقافة. ولكن هذا لا يعني، الخضوع للمنطق التكنولوجي، على خلفية الزعم أن الإنسان الاجتماعي هو، قبل كل شيء، نتاج للأدوات التي كان يمتلكها. ذلك منذ الحقب البدائية، ووصولا إلى الحاسوب الإلكتروني والأقمار الصناعية.
وفي المقابل، يتقبل المؤلف أكثر، الفكرة القائلة أن هناك عملية تطوّر مشترك، تتمثل في كون الإنسان هو الذي اخترع الأدوات، الآلات، لكنها هي التي أرغمته على التطوّر. فالإنسان يطوّر الآلة، وهي تسهم في تطويره عبر خلقها آفاقا جديدة تتطلب علاقات مغايرة مع أقرانه من البشر. ومثل هذه الدورة في التطور، تتصف قبل كل شيء، بالاستمرارية. وبذا فإنها تأخذ أبعادا جديدة في عصر الثورة الرقمية والمعلوماتية.
ويلفت المؤلف هنا، إلى أنه، وباختصار، يبدو البشر في حالة استلاب كامل، حيال التكنولوجيا. هذا مع الاستثناءات التي تعود إلى ما يوصف بالتخلف أو بالاختيار الفردي، غير الحضاري.
ويذكر المؤلف، أن كل إنسان "متوسط الذكاء"، يجد نفسه بالضرورة، في مواجهة نظام هيمنة التكنولوجيا الرقمية، التي غدت تسيطر على مختلف مشارب الحياة والنشاطات الإنسانية. وهذا يتطلب، بالضرورة، نوعا من التمرّد للخروج، بلا خسائر كبيرة، من المواجهة، ومن إطار تعريف الإنسان الحديث، الذي هو في واقع الأمر، إنسان مبسّط من خلال سلوكيات متواضعة، مثل "ضغطة زر".
ولكن هذه السلوكيات، تؤدي حتما، إلى صياغة "صورة نمطية واحدة" لأفراد بسطاء، تتكرر تجاربهم، من غير عناد فكري حقيقي. ويصل المؤلف إلى حد القول، ان الإنسان المبسّط، غدا مختزلا إلى مجرد أصابع تعوّدت العزف اليومي، على لوحة الحروف والأرقام في الحاسوب. ويختار التشديدي هنا، على أن "نموذج الإنسان الرقمي"، السائد في المجتمعات المتقدمة، لم يعد ذلك الإنسان الفعّال والمنتج، لكن بالأحرى الإنسان المستهلك، الخاضع باستمرار للرقابة والاستغلال.
وبالتالي لنوع من الاستعباد لمنظومات عديدة، ليس أقلّها سطوة "آبل" و"فيس بوك". وبهذا المعنى، يجد المؤلف أن التكنولوجيا الرقمية التي يستخدمها البشر، كل يوم وكل ساعة ودقيقة، جعلت منهم مستهلكين لها. وبالتالي، ارتدّت بمعنى ما، ضدهم.
المؤلف في سطور
جان ميشيل بيسنييه، فيلسوف فرنسي وأستاذ في كليّة العلوم السياسية في باريس. يسهم بانتظام، في مجلّة "العلم والمستقبل". سبق له أن قدّم العديد من الكتب، في عدادها : تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، غدا.. ما بعد البشر.
الكتاب: الإنسان المبسّط
المؤلف: جان ميشيل بيسنييه
الناشر: فايار - باريس- 2012
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
صhomme simplifié
Jean Michel Besnier
Fayard - Paris- 2012
200 pp.

