منتصف الليل في بكين

الصين عالم مغلق على نفسه، هذه هي الصورة الشائعة عن "إمبراطورية الوسط"، كما يطلق على هذه البلاد: ذلك حتى فترة الانفتاح التي عرفتها، أخيراً، بعد وفاة ماوتسي تونغ ووصول دينغ هسياو بينغ إلى السلطة. لكن ورغم الصورة السائدة سابقاً عن الصين، فإن العديد من الغربيين كانوا يعيشون ويمارسون أعمالاً مختلفة في الصين، وخاصة في مدينتي بكين وشنغهاي.

يقدم الكاتب ومستشار الأعمال البريطاني بول فرينش المقيم في شنغهاي لسنوات طويلة، كتاباً تحت عنوان: "منتصف الليل في بكين" يعرض فيه صورة للصين، بعيدة جداً، عن صورتها الحالية ذات الطابع الاقتصادي- التجاري بالدرجة الأولى. إنها صورة للصين ما قبل الشيوعية وما قبل وصول ماو تسي تونغ إلى السلطة عام 1949.. إنها صورة أخرى لصين أخرى..

 صين سادة الحرب والبؤس المدقع ومن هم مدمنو الأفيون.. وحفنة من الأجانب الذين كانوا يقيمون فيها ويمارسون مختلف النشاطات، بما في ذلك الممنوعة منها. ويضيف المؤلف لجميع هذه التوصيفات عن حياة الأجانب في الصين آنذاك، إنهم كانوا عملياً بمنجاة عن أي عقاب.

ويعود فرنش في كتابه إلى ذلك الصباح البارد يوم الثامن من شهر يناير من عام 1937، حيث اكتشفت جثة فتاة بيضاء بالقرب من إحدى البنايات، في أحد أحياء مدينة بكين، الذي كانوا يطلقون عليه تسمية "حي المفوضيات". ولم يكن الأمر يتعلق بعملية قتل عادية. ذلك ليس فقط بسبب ما كانت تتصف فيه من وحشية، لكن بالأحرى، لهوية القتيلة.

حيث كانت باميلا ويرفر ابنة التسعة عشر ربيعاً، وابنة القنصل البريطاني السابق في العاصمة الصينية، المدعو إدوارد ويرفر. وكانت عملية القتل مصدر حرج كبير بالنسبة للشرطة الصينية.

إذ فضلاً عن دلالتها السياسية، كانت تطرح إشكالية دبلوماسية كبيرة. وعبر الانطلاق من "مسرح الجريمة"، يوصف مؤلف الكتاب الحياة بمختلف مظاهرها، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لبكين، في ثلاثينات القرن الماضي. وفي الوقت نفسه يقدّم تأريخاً لوجود الغربيين في الصين، مشيراً إلى أن هؤلاء كانوا قد شرعوا بالتوافد على الصين، التي فتحت أبوابها للمبادلات التجارية، في أواسط القرن التاسع عشر.

وكان الأوروبيون يشكّلون طليعة أولئك الوافدين، ثم تبعهم بعد ذلك الأميركيون واليابانيون. وقدم الجميع تحت أسماء وصفات متنوعة، تتراوح بين أهداف التجارة المعلنة والتبشير الديني. لكن، وفي كل الحالات، كان الهدف الحقيقي، محاولة ولوج عالم الصين المغلق، بما يمثله من أهمية ديموغرافية، إذ تتطلع الأسواق العالمية دائماً لاستثمارها والاستفادة منها.

ويشرح بول فرنش أن مدينة بكين شكّلت باستمرار، أحد أقطاب جذب الغربيين، خاصة عقب أن كانت قد أصبحت عاصمة الصين بعد مدينة كيومينتانغ.

ونتبين بجلاء، أن هذا العمل "منتصف الليل في بكين"، يتجاوز كثيراً في مداه، مجرّد عملية التحقيق حول جريمة، أو كونه مجرد "قصة" عن الماضي. فعبر البحث في خفايا جريمة قتل لفتاة بريطانية في الصين، يغوص المؤلف في توصيف الصين خلال ثلاثينات القرن الماضي. وينقب في آلية تفكير الصينيين، بما في ذلك أجهزة الشرطة وأصحاب القرار السياسي، حيال الأحداث التي تجري، وما يحيط بها دائماً من "أحكام مسبقة".

ولا يقتصر فرينش في صلب رسمه صورة للصين والصينيين في زمن وقوع الجريمة، بل يكرّس العديد من الصفحات لتوصيف حياة الغربيين في "حي المفوضيات" ونواديه الليلية وحانات تعاطي الحشيش، ووصولاً إلى السفارات. وكذا حيث كانت تجري أشياء كثيرة تتعارض مع الوجه الظاهر لأولئك الغربيين الذين كان يُفترض أنهم ذوو سلوك يدعو للاحترام.

ومن الجوانب المهمة في العمل، قيمته الوثائقية، من حيث إنه يرسم صورة الصين في فترة كانت الحرب العالمية الثانية فيها على الأبواب. كذلك في فترة كانت تبدو فيها بوادر تعاظم النزعة القومية الصينية. ولا ينسى المؤلف التأكيد بأشكال مختلفة أن القوات اليابانية كانت على أبواب مدينة بكين التي دخلتها بتاريخ 29 يوليو من عام 1937.

 

الكتاب: منتصف الليل في بكين

المؤلف: بول فرينش

الناشر: بنغوان- لندن 2012

الصفحات: 260 صفحة

القطع: المتوسط

 

Midnight in Peking

Paul French

Penguin - London - 2012

260 pp.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات