عمل جان ستاروبنسكي، مدة تزيد على عقد من الزمن، طبيباً في مجال العلاج النفساني في مستشفى سيري، قرب مدينة لوزان السويسرية، حيث اهتم بشكل خاص، بدراسة المسار التاريخي لظاهرة الكآبة وسبل معالجتها.

وهو يعود في كتابه الأخير للموضوع نفسه، من زاوية اهتمامه المزدوج بالأدب وعلم النفس، ليؤرّخ للكآبة السوداء على مرّ القرون، وكيفية تبدّي الألم النفساني في النصوص الأدبية الكبرى. ويحمل الكتاب عنوان "حبر الكآبة السوداء ـ مالنخوليا". والمقصود في هذا الكتاب بالكآبة السوداء، أحد أنواع "الحنين" المشرّب بشيء من الألم، وما يخلق من حالة تساعد على الإبداع.

ويحدد المؤلف القول إن الكآبة السوداء ارتبطت بشكل عضوي، مع أساطير قديمة ومقالات لها علاقة بالتنجيم، وكذا مع منظومات طبية عديدة. وهذه المشارب كلّها، تركت حتى اليوم لآثارها العميقة في مجالات الآداب والفنون.

ويشير المؤلف إلى أنه على مدى أكثر من نصف قرن، لم يتوقف عن الإبحار بين الأدب والطب والفلسفة والفنون. وكان جان ستاروبنسكي قد توقف نهائياً عن ممارسة الطب عام 1958. لكنه استمر بالمقابل في اهتمامه بالتاريخ الطبي وبعلم النفس والتحليل النفساني.

وهو يجمع في هذا الكتاب القسم الأساسي من أطروحته لنيل الدكتوراه في الطب عام 1959، حول "تاريخ معالجة الكآبة". والعديد من النصوص التي كان قد نشرها على مدى عقود، في العديد من الدوريات المتخصصة.

يصادف القارئ في هذا العمل، أسماء اشتهرت في تاريخ الفكر والإبداع الإنساني، وليس أقلّها شأناً هيبوقراط، أبو الطب. وكذا الشاعر بودلير والرسّام فان غوخ، وكثيرين غيرهم، ممن عاشوا في الزمن السعيد الذي كان فيه المبدعون، ليسوا ملزمين باتباع المشرب الضيّق للتخصص.

ويحاول ستاروبنسكي أن يرسم حالة القلق التي تبعثها الكآبة السوداء، ويسمّي الأشكال التي تتبدّى بها. ونجده يقدّمها كحالة "على تخوم الصمت وهي تدمدم كنسمة ضعيفة: كل شيء فارغ وكل شيء عبث.. وما كان مملوكاً قد ضاع. وما كان مأمولاً لم يعد ممكن المنال. غادر المكان قاطنوه. والصحراء المجدبة غطّت المطرح كلّه". ولا يشرح المؤلف، أو يفسّر فقط، حالة الكآبة السوداء، بل هو يؤرّخ لها أيضاً.

إنه يعود حتى القرن الخامس قبل الميلاد لهذا الغرض، فينقل عن هيبوقراط قوله: "عندما يستمر الخوف والحزن طويلاً، فهذا يعني حالة من الكآبة".. ويشرح ستاروبنسكي أنه اهتم بموضوع الكآبة السوداء، بعد عدد من المؤرخين. ويلفت إلى أنها كانت تعني منذ الحقبة اليونانية القديمة، الجنون ذا الأصول النفسانية، ولكن غير الموجودة سوى في الخيال. والتعبير الأفضل عنها، يجده في وصفها أنها "حالة مرتبطة بالشرط الإنساني".

ويميّز المؤلف باستمرار، بين حالات الانهيار العصبي المدمّرة، وحالات الكآبة الخلاّقة ذات العلاقة العضوية مع الإبداع في عالم الأدب والفن خاصّة. والمثال الذي يتردد كثيراً في تحليلاته بهذا الخصوص، يكمن في الكاتب الإسباني الشهير سرفانتس، وعمله المعروف "دونكيخوته"، الذي تحرّك في كل الاتجاهات، بحثاً عن محبوبته. ولكن ما نفهمه في النهاية، هو أن رغبته الحقيقية هي الحركة باتجاهها، وليس الوصول إليها.

وفي المحصّلة، يرى المؤلف أن الكآبة المشوبة بالحنين هي سمة إنسانية بامتياز. ومن لا يعرف الحزن والحداد يقترب من عالم التوحّش.

 

 

المؤلف في سطور

 

جان ستاروبنسكي؛ من مواليد مدينة جنيف السويسرية عام 1920. درس الأدب ثم الطب. عمل أستاذاً في جامعتي جون هوبكنز وبالتيمور في الولايات المتحدة الأميركية. نال شهادة الدكتوراه في الأدب عن أطروحة حول جان جاك روسو. والدكتوراه في الطب حول "تاريخ معالجة الكآبة". من مؤلفاته: العلاقة النقدية، ديدرو في مجال الرسامين

 

 

الكتاب: حبر الكآبة السوداء

المؤلف: جان ستاروبنسكي

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2012

الصفحات: 650 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Lصencre de la melancolie

Jean Starobinski

Seuil - Paris- 2012

650 pp.

.