يطرح المؤلف في كتابه، بكثير من الوضوح، وعبر العديد من النماذج الحية التي قابلها واستمع إليها، المسائل العميقة والدقيقة، المتعلقة بالأصول العرقية والإثنية وعلاقتها بالهوية. هذا إلى جانب إرادة المؤلف الواضحة في أن يكون عمله صوت أولئك الذين ينتمون إلى إرث مزدوج، في بحثهم عن هويات مرنة، أسهمت تجاربهم في صياغتها وتأثرت بمرور الزمن وامتزج فيها الموروث بحكم الولادة، وما جرى اختياره بحكم مسيرة الحياة اللاحقة.
قدّم ستيفن مورفي- شيجماتسو، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية، تحت عنوان: "أصوات أميركية وآسيوية: الأصل الإثني والهوية لذوي الأصول اليابانية في النسيج الأميركي العرقي المتداخل". ثم تابع اهتمامه على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، بدراسة مسائل الهوية بالنسبة للأميركيين ذوي الأصول اليابانية خاصة، والآسيويين عامة في النسيج الاجتماعي الأميركي. وحول هذا الموضوع كان أيضاً كتابه الأخير: "عندما يكون النصف مكتملاً" إذ يدرس فيه: "الهويات الأميركية- الآسيوية المتعددة الإثنيات"، كما يقول عنوانه الفرعي.
ويحدد المؤلف هدفه في هذا الكتاب كالتالي: "استمعت جيداً إلى قصص مجموعة من البشر. وأحاول كتابتها بطريقة آمل من خلالها، تقديم بعض المعلومات للآخرين. وكي أضع بين يدي القارئ، شيئاً ما، له قيمة.. بهذا المعنى أردت أن أترك شيئاً ما ورائي، بسبب ما أمثّله أنا شخصياً بالتحديد".
ومن خلال تجربته الخاصة وأصوله، التي من بينها "فرع آسيوي- ياباني"، يدرس المؤلف ظاهرة المزج بين العرق الآسيوي والتجارب الأميركية. ويستخدم مسيرة حياته الشخصية، باعتباره ولد لأب أميركي ولأم يابانية، غاية أن ينقبّ في جذور هويته المختلفة، سعياً إلى إلقاء بعض الضوء، على مسائل الهوية عامة، لدى أولئك الذين ينتمون إلى إرث متعدد ومتنوع.
وفي جميع التأملات والأفكار التي يحتويها العمل تختلط بوضوح المسارات الشخصية لأفراد "مزدوجي الانتماء العرقي".
إذا كان مؤلف الكتاب، يدرس بعض الحالات العينية المحددة، فإن موضوع دراسته الأعمق هو بالتحديد مسألة التعددية الثقافية الأميركية، والمسائل المتعلقة بهوية الأمم، وانعكاسها على هوية الكيانات الأصغر المكوّنة لهذه الأمم، وصولاً إلى الأسرة والفرد.
وكذا التساؤل عبر هذا كله، عن العلاقة بين مفهوم الهوية الأحادية في الانتماء، بمعنى الانتماء الواضح إلى هوية واحدة دون أية أزمة أو ازدواجية في هذا المجال، وبين الهويات المتعددة. ومثل هذه العلاقة تبدو أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بأطفال وُلدوا في ظل الاحتلال الأجنبي، وأحياناً أثناء الحروب، من أب ينتمي إلى قوة الاحتلال، وأم من أبناء البلد المحتلّ. والأطفال يكونون في هذه الحالة، بمثابة رمز للسيطرة الأجنبية.
وبالنسبة للأميركيين ذوي الأصول الآسيوية، يوجد باستمرار، على الصعيد الشخصي، لحظات من مواجهة ضغوط متناقضة، تجد جذورها في مفاهيم تتعلق بالولاء العائلي وبالمشاعر العنصرية، في إطار المجتمع الأميركي المعاصر. كما يخلص المؤلف إلى القول.. وبعض النماذج المقدّمة في هذا الكتاب، تبدو ممزقة بين نصفين.
يطرح المؤلف في كتابه، بكثير من الوضوح، وعبر العديد من النماذج الحية التي قابلها واستمع إليها، المسائل العميقة والدقيقة، المتعلقة بالأصول العرقية والإثنية وعلاقتها بالهوية. هذا إلى جانب إرادة المؤلف الواضحة في أن يكون عمله صوت أولئك الذين ينتمون إلى إرث مزدوج، في بحثهم عن هويات مرنة، أسهمت تجاربهم في صياغتها وتأثرت بمرور الزمن وامتزج فيها الموروث بحكم الولادة، وما جرى اختياره بحكم مسيرة الحياة اللاحقة. وهكذا كتب عن التعددية الإثنية والثقافية الأميركية، وعن الانتماء المزدوج والهوية المتعددة، محاولاً الإجابة عن سؤال: ماذا يعني أن يكون المرء أميركياً من أصل آسيوي؟ وسؤال آخر، أكثر دقة: من هو الآسيوي الأميركي؟
المؤلف في سطور
ستيفن مورفي- شيجماتسو، من مواليد طوكيو، من أمّ يابانية وأب أميركي أيرلندي الأصل. عاش وترعرع في أميركا وحصل على شهادة الدكتوراه في علم النفس من جامعة هارفارد. عمل أستاذاً في جامعة طوكيو ثم في جامعة ستانفورد. كتب دراسات عديدة، منذ 30 سنة، في مجال التعددية العرقية والثقافية ومسائل الهوية. من مؤلفاته: "أطفال أميركيون- آسيويون".
الكتاب: عندما يكون النصف مكتملاً، الهويات الأميركية الآسيوية المتعددة
المؤلف: تأليف: ستيفن مورفي- شيجماتسو
الناشر: جامعة ستانفورد 2012
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط
When half is whole
Stephen Murphy Shigematsu
Stanford University Press - 2012
248 pp.
