امتهن مارسيل كونش التدريس الجامعي في السوربون، عشرات السنوات. وقدّم خلالها، عشرات الأعمال. وهو يقدّم في كتابه الأخير: "حياتي.. قصة حب في ظل الاحتلال"، صفحة من مسيرة حياته، عندما كان شاباً يافعاً. وهو الآن في الرابعة والثمانين من عمره. ويعود في هذه الصفحة- الكتاب إلى قصة حبه ثم زواجه بمدرسته ماري تيريز، التي كانت قد رحلت عن مدينة ستراسبورغ، بعد احتلال الجيش الألماني، النازي، لها، وجاءت للتعليم في مدينة تول عام 1942.
كانت المعلّمة الشابة، أستاذة الطالب مارسيل كونش، أكبر منه بـ15 سنة. وكان قد طلب منها أن تكون مراسلته، ذلك بمعنى العنوان المعروف له في المدينة، كي يستطيع الخروج من المدرسة الداخلية يوم الأحد. واستطاع عبر ذلك، أن يلتقي بها. وكانت العطل المدرسية مناسبة لتبادل الرسائل الطويلة.
ونجد في الكتاب، أن رسائل ماري تيريز تذهب، كلها، في اتجاه تأكيدها أنها كنّت حباً غير مشروط لمارسيل، مصرحة أنها تريد أن تكون شريكة حياته، وأن يشكّلا معاً أسرة. وهي تعرب في رسائلها بعد تحقق ذلك، عن سعادتها الغامرة. ولكنه مارسيل يتحدث في المقابل، عن عدة مراحل- منعطفات في حياته. المرحلة الأولى، واكبت مشاعر الحب التي عاشها عام 1942. وكان ذلك تعبيراً عن حياته الحقيقية التي استمرت عبر الالتزام بين الزوجين، واكتملت عندما أصبحا أباً وأماً.
إن مارسيل كونش، الذي "تفلسف"، منذ سنوات شبابه الأولى حول ما قدّمه سقراط، وغيره من فلاسفة اليونان القدماء، من أفكار ومفاهيم فلسفية، "يتفلسف" في هذا الكتاب مع نفسه، وهو في غسق حياته، كما يقول. هذا مع التأكيد بالوقت نفسه، أن الفلسفة لا تشكل أبداً بحثاً عن السعادة، لكنها بالأحرى، بحث عن الحقيقة. ولا يتردد في أن يصرّح بوضوح في هذا العمل: "السعادة ليست مهنتي".
يروي كونش أن ماري كانت غارقة في حبه بالمعنى الكامل والدقيق لهذه الكلمة. لكنه كان من جهته، غارقاً في هوى آخر: الفلسفة. وعلى خلفية مثل هذا الاختلاف في وجهة الهوى، تولدت بينهما، حالة من سوء الفهم. وفي الوقت الذي كانت تغمره فيه بالعواطف وأجمل ألفاظ الحب، قابلها بنوع من البرود العقلاني، وأيضاً المحاكمات الذهنية المعقّدة. وهذا بالإضافة إلى وجود تباين كبير في مرجعياتهما الفكرية والسياسية.
وإذا كان هذا الكتاب يمثل في أحد مظاهره الرئيسية عودة الكاتب- الفيلسوف إلى سنوات مراهقته وشبابه الأولى. وإلى قصة حبه مع "أستاذة الأدب الكلاسيكي" في سنته الأخيرة بثانوية مدينة تول، فإنه أيضاً كتاب عن فلسفة الحياة وعن كيفية مواجهة "النهاية" من قبل البشر.
شكلت هذه النهاية، كما يشير المؤلف، أحد الموضوعات الأساسية لدى الفلاسفة اليونانيين القدماء، وفي مقدمتهم سقراط الذي واجه نهايته بكثير من الشجاعة، عندما تجرّع بكل هدوء، كأس السم وهو يبدو للآخرين سعيداً. لكن ماذا كانت مشاعره الحقيقية؟ هذا ما يتساءل حوله المؤلف على خلفية قوله إن مفهوم "النهاية"، الموت، كان بمثابة القاسم المشترك للمأساة في الفلسفة اليونانية.
ويؤكد المؤلف ضرورة التمييز بين النهاية، بمعنى نقطة الوصول إلى الهدف الأسمى من نشاطات البشر، وتحقيق تطلعاتهم الحقيقية، أي تحقيق ما تُطلق عليه عامة، صفة السعادة. وبين النهاية باعتبارها ختام مسيرة الحياة. ويوضح أن النهاية بالمعنى الأول: عيش الحياة بكل جوارحنا، وفي الثاني: التوقف عن العيش. وهنا، في هذا المعنى الأخير، كانت ماري تيريز، زوجة المؤلف، قد وصلت إلى النهاية عام 1997. وأما النهاية بالمعنى الأول فوصلت إليها في الشهر الأخير من عام 1947.
وكانت حياتها قد بدأت عام 1942، كما ينقل عنها المؤلف، أي عندما التقيا. وتأملت أن تبني حياتها معه وأن ينجبا طفلاً. ذلك أن ممارسة مهنة تناسب ذوقها ومواهبها لم تكن كافية. بل كانت تريد أن تحس أنها امرأة وزوجة وأم.
المؤلف في سطور
مارسيل كونش. فيلسوف فرنسي وأستاذ شرف في جامعة السوربون، والتي كان أستاذاً فيها، عقوداً عديدة، لمادّة الفلسفة اليونانية. وهو عضو في أكاديمية أثينا الفلسفية. فاز بجائزة الأكاديمية الفرنسية مرتين، الأولى عام 1987 عن تقديمه لأعمال هيراقليط. والثانية عام 1996- عن مجمل أعماله.
الكتاب: حياتي.. قصة حب تحت الاحتلال
المؤلف: مارسيل كونش
الناشر: هـ. د. ايديسيون - باريس- 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Ma vie, un amour sous lصoccupation
Marcel Conche
H. D. Editions - Paris- 2012
240 pp.
