هناك ظاهرة معروفة تحت تسمية التوحّد: الأوتيست. ويطلق المصابون بهذا المرض، على الآخرين المختلفين عنهم، صفة "النمطيين عصبياً"، أي "الطبيعيين" في القاموس الشائع الذي يتداوله الجميع.
ويعد جوزيف شوفانيك أحد المصابين بمرض التوحّد، وبالتحديد في شكل معيّن منه، يترافق عامة بامتلاك قدرات عقلية خارقة. وهو يقدّم كتاباً صدر له، أخيراً، للآخرين، العاديين. واختار عنواناً للعمل، جملة: "اللعب في الألفاظ"، حيث يقال في اللغة الفرنسية الشائعة، إن فلاناً في جهة الغرب، كإشارة إلى أنه يعاني من خلل في الشخصية. وهكذا اختار المؤلف تعبير ترجمته الحرفية: "أنا في جهة الشرق"، ليقول إنه مختلف، ولكن متميّز. وهو يبدأ حديثه لأولئك الذين سيقرأون ما يكتب، مبيناً أنه إنسان خجول، إذ يتجنّب تماماً، النظر إليهم وجهاً لوجه. وعندما يتكلّم فإن الحديث ينطلق مثل شلال متقطّع.
يبلغ جوزيف شوفانيك من العمر ثلاثين سنة. وكان قد درس في كلية العلوم السياسية في باريس. وهو حائز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. ويتحدث العديد من اللغات العالمية، ولكن أيضاً مجموعة من اللغات النادرة، مثل السنسكريتية والأمهرية. ولكنه حريص على المحافظة على صمته. وذلك يبرره: "طالما أظلّ بلا حراك كل الأمور تسير على ما يرام. وعندما أبدأ بالحركة تختلط الأمور. والأسوأ عندما أفتح فمي للتفوه بالكلام".
إلا أن هذا الصامت، يلقي، في الوقت الحالي، سلسلة من المحاضرات في فرنسا وخارجها، موضحاً انه عاد من بعيد، كونه لم يتفوّه بكلمة واحدة حتى بلوغه السادسة من العمر. وهكذا وجد نفسه يعيد السنة في مدرسة الحضانة، على أساس أنه متخلّف في التعبير، وهو ما كان يعني في الواقع متخلّف عقلياً.
ويشير المؤلف إلى أن الأطباء لم يقدّموا أي تشخيص دقيق لحالته، حتى سن السادسة.
ويشدد شوفانيك على أن اهتماماته اختلفت منذ البداية، عن اهتمامات الآخرين. فمن الواضح، وهذا ما يصرّح فيه بأشكال مختلفة، أن اهتماماته كانت باستمرار أكثر جدية وأكثر تعقيداً، من أبناء جيله. وطالما بقي يبدي دهشته الكبيرة عندما يرى اثنين من رفاقه في كلية العلوم السياسية، شاب وشابة، يتبادلان الحديث ويديهما تتشابك على رصيف المترو الباريسي. ولم يشعر بالدهشة فقط، آنذاك، بل تولاّه الاستغراب كون البشر يضيعون وقتهم بأشياء لا تستحق إضاعة الوقت فيها. وهكذا فالآخرون بالنسبة إليه، كانوا الجحيم، كما جاء في جملة نطقها الفيلسوف جان بول سارتر.
إن ابتعاد شوفانيك، المتوحّد، عن الأصدقاء والآخرين، وجد نتيجته الطبيعية في تجاهله الكامل لمسألة النخبة، التي كان يمثلها أولئك الذين يتخرجون من كلية العلوم السياسية. وبالتوازي لم تكن مسألة المكانة الاجتماعية، تثير لديه أي اهتمام. وهكذا يؤكد أنه لم ولن يتردد في الوفاء بأي وعد يقطعه، مهما كانت المغريات كبيرة للتخلّي عنه. وكان ذلك ما فعله عندما توسّل إليه معدّو فيلم "دماغ هوغو"، الذي كان أحد شخصياته الرئيسية، كي يحضر للتسجيل في اليوم نفسه، الذي كان قد وعد فيه جمعية صغيرة في مدينة ليون، بتنظيم نقاش في إطار نشاطاتها. ففضل الوفاء بوعده، على التسجيل بفيلم يشاهده ملايين البشر.
ويحكي شوفانيك، على مدى العديد من الصفحات، تجربة مع الأطباء النفسانيين، الذين طلب منهم مساعدته على تجاوز حالته النفسية التي كانت تتردّى أكثر فأكثر.
ويشير إلى أنه في كل مرة كان يبدي فيها بعض الشكوك، كان الطبيب المعالج يزيد من جرعة المهدئات العصبية، وصولاً إلى تنويم مريضه 23 ساعة من أصل 24 ساعة يومياً.
وفي العموم، فما يؤكده مؤلف الكتاب، المصاب بـالتوحّد، أنه لم يكذب أبداً طيلة حياته، إذ يعتبر أن الكذب لا معنى له. لذلك لم يكن يتردد في التصريح بكل العيوب التي يراها، وصولاً إلى الحديث عن رائحة المكان غير المقبولة، عندما كان يلتقي بمسؤول طلباً لفرصة عمل. ويوجّه، في الإطار ذاته، نقداً لاذعاً للطريقة الفرنسية في التعامل مع ظاهرة التوحّد، ويصفها أنها متخلّفة.
المؤلف في سطور
جوزيف شوفانيك، هو شاب فرنسي متعدد المواهب، لكنه مصاب بمرض "التوحّد" وبالتحديد في أحد أشكاله المسماة بـ"اسبيرج" الذي يترافق عامة بقدرات عقلية خارقة. يحمل شهادة الدكتوراه بالفلسفة.
الكتاب: أنا من ناحية الشرق
المؤلف: جوزيف شوفانيك
الناشر: بلون - باريس- 2012
الصفحات: 256 صفحة من القطع
القطع: المتوسط
Je suis à lصest
Josef Schovanec
Plon - Paris- 2012
256 pp.
