يعرف الكاتب البلجيكي، دافيد فان ريبروك، الكونغو، كالكثير من مجايليه البلجيكيين، من خلال قصص "الزمن القديم".. وذلك عندما كانت هذه البلاد تحت الاستعمار البلجيكي. وكان والده قد أقام فيها لفترة، في ستينات القرن الماضي. ولكن الصورة التي رسمتها القصص القديمة، تغيّرت كثيراً عندما بدأ أبحاثه للشروع في كتابة "قصة الكونغو"، المستعمرة البلجيكية السابقة، في قلب إفريقيا.
إن المادة الرئيسية التي يعتمدها ريبروك في كتابة، تتمثل في التنقيب عن حياة الكونغوليين، والذين طرح الأسئلة على أكثر من 500 شخص منهم. وكانت النتيجة، مزيجاً من الشهادات التي تقدّم صورة جديدة للطريقة التي عاش فيها الشعب الكونغولي، معاناة حقيقية من الاستعمار، لكنه بقي هو نفسه ولم يتبدّل.
إحدى الشخصيات الرئيسية التي اعتمد عليها المؤلف في تحليلاته، المدعو اتيين نكانيمي، الذي تزيّن صورته، الغلاف الأول للكتاب. ويزعم المؤلف، حسب ما ينقل عنه، أنه من مواليد عام 1882، وأنه قادر على استحضار أدقّ التفاصيل حول الأحداث التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر. ويروي أنه كان عبداً، ثم خادماً لدى المكتشف الشهير ستانلي. وأسهم فيما بعد بإنقاذ أرواح كثيرة، أثناء الحرب العالمية الثانية.
وكتاب "قصة الكونغو" فاز، تقريباً، خلال العام الماضي، بجميع الجوائز الأدبية في بلجيكا. إذ يروي تاريخ 90000 سنة من التاريخ. لكن المؤلف لا يقود قارئه "إلى قلب الظلمات"، كما شاع توصيف الكونغو وإفريقيا عامة. ذلك أن الظلمات موجودة بالأحرى في عيون أولئك الذين ينظرون إلى الكونغو. ومن خلال الشهادات المقدمة يشرح، كيف اقتسم الأوروبيون القارة الإفريقية، الغنيّة بالموارد لسوء حظها.
ويحدد المؤلف القول، انه عندما شرع بكتابة تاريخ الكونغو، أدرك مباشرة، أنه ليس في الموقع الأفضل للقيام بذلك. فبلجيكا هي القوّة المستعمرة حتى الأمس القريب، لكنه يستدرك مباشرة الأمر ليشير إلى أن تاريخ الكونغو لم يبدأ مع وصول المكتشف ستانلي.
ولكن مع فترة ما قبل التاريخ.. ومع ذلك، سرعان ما يصل دافيد فان ريبروك إلى القرن التاسع عشر في تاريخ الكونغو، ويبين في الإشارة إلى ما قبل الحقبة الاستعمارية، أنه كانت تلك البلاد الشاسعة والقوية هدفاً للباحثين عن العبيد ولتجّار العاج. وغدت الكونغو في مرحلة لاحقة، هدفاً للباحثين عن المطاط "الكاوتشوك" والماس والذهب والأحجار الكريمة واليورانيوم.
يخصص المؤلف العديد من صفحات الكتاب لتوصيف مدى التخريب الذي مارسه الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، في الكونغو.
يحدد المؤلف، الفترة التاريخية التي يغطيها عمله، بتلك الممتدة منذ ما قبل التاريخ حتى اليوم، مع التركيز على الفترة الواقعة من بداية التاريخ الاستعماري البلجيكي، حتى نيل الكونغو للاستقلال. وهو يصف عامة المسار التاريخي للكونغو، بأنه تاريخ مضطرب، ذلك منذ 3000 سنة قبل الميلاد، حيث وُجد ذكر الكونغولي في النصوص الهيروغليفية الفرعونية.
وإذا كان المؤلف يعتمد كثيراً على المعطيات التاريخية، كما تقدمها الوثائق والأراشيف، فإنه يعتمد بشكل خاص على المصدر الإنساني الكونغولي، ما يعطي للتاريخ الذي يقدمه، مسحة شخصية.
ويولي المؤلف أهمية خاصة للحربين العالميتين، الأولى والثانية، بالنسبة لتاريخ الكونغو، إذ أسهم العديد من أبناء البلاد في إطار القوات البلجيكية. ولكن هذا المظهر جرى طمسه في التاريخ الاستعماري البلجيكي للبلاد.. وفي إشارة سريعة للوجود الصيني في إفريقيا، يرى المؤلف أن الأوروبيين نظروا إلى الأمر في البداية، بكثير من التوجس، على أساس أنه تهديد لـموقعهم في المنظومة العالمية.
المؤلف في سطور
دافيد فان ريبروك. كاتب بلجيكي. درس علم الآثار والفلسفة في جامعة لوفان. حصل على شهادة جامعية في الآثار من كمبردج، والدكتوراه من جامعة ليون- عام 2000. يعمل الآن كمؤرخ للثقافة في الجامعة الكاثوليكية، في مدينة لوفان. يكتب في صحف عديدة، ودوريات كثيرة، من بينها: "مورغن".
الكتاب: قصة الكونغو
المؤلف: دافيد فان ريبروك
الناشر: أكت سود - باريس- 2012
الصفحات: 720 صفحة
القطع: المتوسط
Congo, une histoire
David Van Reybrouck
Actes Sud - Paris- 2012
720 pp.

