"مثل أبناء جيل كامل انخرطت في العالم الثقافي، وفي الالتزام السياسي من بوابة مناهضة النزعة الاستعمارية (...). أسست مع أصدقاء لي، من كتّاب ومؤرخين مجلة (نوفيل اوبسرفاتور). وعبر هذه النصوص التي تمثل مرآة لحياتي أيضاً، ألاحظ أنني أحافظ على إخلاصي المتناقض أحياناً.. كان ألبير كامو قد كتب عملين هما: المنفى والمملكة. ويكفي أن أضع هاتين الكلمتين بصيغة الجمع كي يعبران عنّي".
بهذه الكلمات، يبدأ الكاتب والصحافي والمفكر الفرنسي، جان دانييل كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: "مرايا حياة"، الذي يعود فيه إلى الحديث عن طفولته الجزائرية، كأنه يريد تحديد أصوله وجذوره، وهو الذي تجاوز سن التسعين. وعن مساره المهني وظروف تأسيسه مجلة "لونوفيل اوبسرفاتور"، وعن ذكرياته البعيدة عن شخصيات مهمة عرفها العالم العربي، مثل عبدالناصر وبورقيبة وبن بيلا والحسن الثاني. وعن رؤيته لعدد من الذين عرفهم عن قرب، مثل المفكر محمد اركون والشاعر صلاح ستيتية.
ويحكي جان دانييل خاصة، عن صداقاته الأدبية والفكرية. هكذا يعود إلى ذلك اليوم الذي التقى فيه عندما كان شاباً صغيراً في مكتبه ضمن مجلة "المجلة الفرنسية الجديدة، ألبير كامو، الذي كان قد وافق على لقائه دون أن يعرفه حقيقة.
إنه كتاب - دعوة للقارئ لـ"التعرف" على أمكنة كما كانت قبل عقود كثيرة مثل مدينة طنجة التي يصفها جان دانييل بأنها كان خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، "المدينة الوحيدة في شمال إفريقيا الحرة، الحقيقة في ممارسة فرحها وشبابها". ويصف أهل طنجة "الطنجاويون"، أنهم "متلونون مثل الشمس على المضيق - جبل طارق - ومتقلبون مثل الرياح المترددة بين بحرين وصاخبون مثل الأمواج المتعاقبة على الشواطئ المترامية الأطراف".
أما بالنسبة لكلود ليفي ستروس، وبعد أن يشير المؤلف إلى كتابه الشهير "العرق والتاريخ" الذي أصبح "مرجعاً كلاسيكياً في ميدانه"، يؤكد أن مؤسس البنيوية أقرّ بـ"وجود عتبة للتسامح حيال الأجانب، في أي مجتمع. كما يشدد على اعتباره ذلك بمثابة غريزة للمحافظة على ثقافات تشجع نوعاً من التأكيد على الذات، وقوله إن كره الأجانب، الغرباء، أمر مقيت لكن احتقار الهويات يؤدي إلى الوهم، وكذا أن العنصرية سلوك شيطاني، لكن السلوك الملائكي لا يخلّص البشر، من مثل هذا التصرف.
في كتاب "مرايا الحياة" يطرح جان دانييل بأشكال مختلفة المسائل المتعلقة بالهوية. هذا في فترة تناقش فيها قضية الهوية الفرنسية، بقوة في المجتمع الفرنسي، حيث يعلن اليمين المتطرّف أنها مهددة، وبالتحديد من تعاظم وزن المكوّن الإسلامي في المجتمع الفرنسي.
ويحدد دانييل القول إن هذه المسألة تعكس تساؤلاً مؤلماً ومستمراً منذ فترة طويلة. ولا يتردد في التأكيد ضمن هذا السياق، على أن التركيز حصرياً، على مسألة الهوية في أي مجتمع، يمكن أن يكون مصدراً للخطر، ذلك من حيث إنه يؤسس لـعدم التسامح حيال الآخر، الأجنبي.
وإذا كان دانييل يحذّر من الأطروحات المتشددة حول الهوية، بالطريقة التي رفعتها "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة في فرنسا، منذ سنوات الثمانينات في القرن الـ20، فإنه يؤكد بالمقابل عدم إمكانية وضع هذه المسألة جانباً بسهولة. ويعود إلى الحديث عن علاقته بفرنسا، وهو المولود في الجزائر، حيث أمضى حياته حتى سنوات شبابه. وبين أن حبّه فرنسا ينطلق من موقع أبعد قليلاً ـ جغرافيا ـ من الفرنسيين الذين وُلدوا وترعرعوا فيها، ولكنه حب أكثر عمقاً.
إن الركيزة الأساسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب، بالاعتماد على مسيرة حياته ومساره الفكري، تتمثل في الثقافة. ويوضح أن قناعاته قائمة على خلفية إرثه الثقافي ذي الوجوه المتعددة من حيث المصادر الثقافية المتنوعة، التي جعلته متمسكاً في القبول بالاختلاف، وفي الوقت نفسه، العيش معه بحرية.
المؤلف في سطور
جان دانييل. مؤسس ومدير مجلة "نوفيل اوبسرفاتور" الأسبوعية. من مواليد الجزائر. بدأ دراسة الفلسفة في الجزائر، ثم انخرط في صفوف المقاومة في فرنسا. كان صديقاً للروائي البير كامو، واشتهر كأحد أهم الشخصيات الفكرية الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين. من مؤلفاته: مع كامو، أهلي، كيف يمكن للمرء أن يكون فرنسياً؟
الكتاب: مرايا حياة
المؤلف: جان دانييل
الناشر: غاليمار - باريس- 2013
الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
Miroirs dune vie
Jean Daniel
Gallimard - Paris- 2013
176 pp.
