أمضى أرنولد ج. بوير، سنوات طفولته وشبابه الأولى، في مزرعة أسرته بولاية كنساس الأميركية. وكانت تلك المزرعة في قلب الريف، حيث الخضرة والسواقي الرقراقة، كما يقول بوير نفسه، في كتابه: "زمن الظلال".. ويعود المؤلف في هذا الكتاب، إلى ذكريات مزرعة العائلة، حيث كان النضال من أجل البقاء والحياة يومياً. ولكن الموضوع الأساسي للعمل "ذكريات" الانتقال، من زمن الطفولة إلى البلوغ، وعالم الكبار، ما بين ثلاثينات وستينات القرن الماضي، العشرين.
وفي رسم صورة الحياة بمزارع الأمس البعيد، يؤكّد بوير الدور الذي كانت تلعبه النساء في زيادة الدخل العائلي. ذلك من خلال بيع المنتجات الحيوانية الزراعية. وفي ذلك الحين كان الأطفال يقومون بالعمل في الحقل دون أي أجر. وكانت تلك هي طبيعة الاقتصاد الزراعي.
إن مؤلف الكتاب يكتب في صفحاته نوعاً من "السيرة الذاتية" لتجربة حياته في مزرعة العائلة. وهي تجربة مماثلة لما عاشته مئات آلاف الأسر، في كنساس وغيرها من الولايات الأميركية. والقاعدة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف من ذكرياته، حول تلك الفترة، وصول أولئك الذين كانوا يعيشون في المزارع، إلى درجة عالية من الاستقلال الذاتي.
ويعود المؤلف مرات عديدة، إلى الحديث عن مشاعر العزلة التي كانت تنتابه في الحياة داخل مزرعة العائلة، التي كانت تبدو له في أحيان كثيرة، "مقطوعة" عن العالم الخارجي.. فمشاعر العزلة والوحدة تلك، كانت بمثابة قاسم مشترك، بين جيل الشباب آنذاك. يتخيل القارئ نفسه أحياناً، مع صفحات الكتاب، أنه أمام مشهد سينمائي من الأرياف الأميركية، خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ذلك أن المؤلف يقدّم توصيفاً دقيقاً للأحصنة التي كانت تقوم بحراثة الأرض. ولصوت والده وهو يدوّي في الصباح الباكر، بالأحرى عند الفجر، كما يحدد القول، عندما لم يكن عمره يتجاوز 12 عاماً. وكان الأب يطالب الجميع بالاستيقاظ. فأمامهم يوم طويل من العمل.
وتغدو الأرياف والمزارع "عالماً مختلفاً"، كما يقول المؤلف، أثناء فترات الجفاف والمناخ القاسي. ويحكي عن الفرح الغامر الذي انتاب جميع أفراد العائلة، عندما وصلت الكهرباء إلى مزرعتهم.. فتلك الأشياء العادية بالنسبة لبشر اليوم، في بلاد مثل الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من بلدان العالم المتطور، يقدمها المؤلف باعتبارها أحداثاً مدهشة.
وإذا كان الكثير من الأطفال الأميركيين، عاشوا تجارب مشابهة أو قريبة. فإن المؤلف يؤكّد خصوصية الحياة في تلك المزارع الصغيرة، مثل مزرعة أسرته، التي عاشت مأساة حقيقية في أواسط سنوات الخمسينات من القرن الماضي، مع زيادة أسعار حبوب البذار والهبوط الكبير في أسعار المواشي، والتدهور الكبير الذي عرفته أسواق المنتجات الزراعية. إذ كانت تلك الأحداث، رهيبة بالنسبة لذلك الطفل، وللمحيطين به في ذلك المنزل الصغير وسط الحقول الخضراء.
وفيما هو أبعد من التفاصيل الصغيرة والدقيقة، عن حياة المؤلف وأسرته، يمثل العمل وثيقة حقيقية وبليغة، عن الحياة في الأرياف الأميركية، خلال تلك الحقبة. وكذا يؤرخ لولاية تكساس في حقبة ما قبل التكنولوجيات الحديثة. ويتبدى فيها أن المثير للانتباه، كون السنوات التي يستعيد المؤلف ذكرياته فيها، تظهر وكأنها تنتمي إلى عالم آخر، لكن المسائل التي يطرحها لا تزال ذات أهمية كبيرة بالنسبة للزراعة اليوم.
ومن خلال تجربة شخصية، يشرح المؤلف تلك التغيّرات العميقة التي شهدتها أميركا الزراعية، خلال عقود محددة، ذلك مع وصول المكننة والتكنولوجيا المتقدمة.
المؤلف في سطور
تابع ارنولد ج.بوير، دراساته الجامعية في المكسيك. ثم في جامعة بيركلي الأميركية. ودرّس الثقافة والتاريخ الأميركيين اللاتينيين، في جامعات كاليفورنيا. كما نال أعلى وسام استحقاق من حكومة التشيلي على مجمل إسهاماته في مجالي التربية والثقافة.
الكتاب: زمن الظلال.. ذكريات مزرعة عائلية في كنساس
المؤلف: ارنولد ج. بوير
الناشر: جامعة كنساس 2012
الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
Timeصs shadow
Arnold J. Bauer
Kansas University Press - 2012
176 pp
