كتب أستاذ التاريخ في جامعة اندرسون - بريان ر. ديرك، العديد من المقالات والدراسات والكتب، عن سيرة حياة أحد أشهر رؤساء الولايات المتحدة الأميركية طيلة تاريخها: ابراهام لنكولن. وهو يكرّس عمله الأخير له أيضاً، بعنوان "ابراهام لنكولن وأميركا البيضاء".
يؤكّد المؤلف، منذ البداية، أن هناك إجماعاً شبه عام في أميركا، على النظر إلى لنكولن، كونه "منقذ الاتحاد" ـ أي اتحاد الولايات الأميركية، إذ يقدّم الرؤساء الأميركيون حتى اليوم، في كل سنة، خطاباً يحمل تسمية "خطاب الاتحاد"، يتعرضون فيه لأوضاع البلاد. كما يعد لنكولن، المحرر الكبير للشعب الأميركي. هذا إلى جانب التأكيد على شجاعته وحكمته وصلابة إرادته.
ويلفت المؤلف إلى أنه، ومع تلك المكانة، كان التوصيف الذي أطلقه البعض، من أمثال فريدريك دوغلاس، الخصم السياسي للنكولن، على أن لنكولن يمثّل صورة: "الرئيس، الرجل الابيض". وهذا التوصيف استخدمه بعض الوشاة المناوئين للنكولن كدليل، بل كبرهان، على أنه كان يتسم بشخصية ذات جانب عنصري عميق. لكن مؤلف هذا الكتاب يرى أن لنكولن عّرف كرئيس أبيض، على خلفية لونه الأبيض، وما أنتجته هذه الصفة من ثقافة.
السمة الرئيسية التي يلفت إليها المؤلف، فيما يتعلّق بصفة البياض، التي أُلصقت بلنكولن، لا تتعدّى دلالتها إلى أنه كان رجلاً أبيض نموذجياً، حسب معايير الحقبة التي عاش فيها.
لكن المؤلف يؤكّد بالوقت نفسه، أن ابراهام لنكولن كان يمتلك في محصّلة جعبته الفكرية، مقاربة للمسألة العرقية، بما يتماشى ويتناظر، مع المكانة السامية التي اكتسبها بعيون مواطنيه. ويصفها بريان ديرك أنها كانت "مقاربة أكثر تنويراً"، من السواد الأعظم من مواطنيه البيض الأميركيين، من معاصريه.
ويشرح المؤلف أن ابراهام لنكولن، كان على دراية كاملة بأشكال المخاوف التي تنتاب الكثير من البيض الأميركيين، وخاصّة خشية الانحدار نحو "الدهماء من البيض".
ويرى المؤلف أنه لا يمكن اعتبار لنكولن كرئيس "أبيض"، من حيث إن البياض كان يشكل مكوّناً أساسياً لهويته العرقية. لكن البحث الجدّي في هذا البعد، لديه، يمكن أن يساعد في فهم رئاسته.
ويشير المؤلف إلى أن لنكولن كان قد أصدر "إعلان التحرير ونهاية العبودية في أميركا"، كإجراء حربي بالدرجة الأولى، فتطبيقه كان محصوراً في الواقع العملي في المناطق التي استمرّ فيها التمرّد على السلطة المركزية، وحيث اتخذ الإعلان صفة دستورية. وبالمقابل، كانت الولايات الأميركية في المناطق الجنوبية خاصّة، التي واظبت على ممارسة العبودية، ضرورية أيضاً من أجل تعزيز لحمة الاتحاد الأميركي. وبالتالي، لم يكن لنكولن يريد استبعادها من مركز اهتمامه على خلفية سياسية وليست عرقية.
وينقل المؤلف عن ابراهام لنكولن تأكيده الحازم، على أنه ينبغي للبيض والسود الأميركيين، العيش بعيداً عن العلاقة القديمة ـ القائمة على العبودية ـ وتحت ظل العلاقة الجديدة ـ بعد إلغاء العبودية". والإشارة إلى أن لنكولن بذل كل قدراته في الإقناع وكل سلطاته في القيادة، كي يتبنّى الكونغرس كل التعديلات والإجراءات التي تجعل إعلان التحرير، ذا صلاحية دستورية، لا عودة عنها بعد نهاية الحرب الأهلية الأميركية، التي هددت استمرار الاتحاد الأميركي.
ويؤكّد ديرك، في المحصّلة، أن لنكولن أثار إعجاب الجميع، ومنهم خصومه السياسيون، بما امتلكه من حريّة كاملة حيال جميع الأحكام الشعبية المسبقة ضد العرق الأسود. ومن هذا المنطلق كان، حسب التحليلات المقدّمة، أحد أكثر الرؤساء الأميركيين مساهمة في دفع الحقوق المدنية للسود إلى الأمام، ومن ثم نيلهم حقوق "المواطنة" الكاملة، وصولاً إلى أعلى المناصب.
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن مؤلفه، المؤرخ، تناول بالبحث والتمحيص جانباً من حياة وشخصية ابراهام لنكولن كان المؤرّخون قد أهملوه عامة. وهذا الجانب يتعلّق بـ "أهميّة هويته العرقية ـ البيضاء" في سلوكه وفي نهجه السياسي والرئاسي.
المؤلف في سطور
يعمل بريان ر. ديرك، أستاذاً للتاريخ في جامعة اندرسون. وهو متخصص في حقل سيرة حياة الرئيس الأميركي الأكثر شهرة في المساهمة باستقلال الولايات المتحدة: ابراهام لنكولن. ومن مؤلفاته: لنكولن وديفس: تصوّر أميركا 1809 ـ 1865.
الكتاب: ابراهام لنكولن وأميركا البيضاء
المؤلف: بريان ر. ديرك
الناشر: جامعة كنساس 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Abraham Lincoln and white America
Brian r. Dirck
Kensas university press- 2012
240 pp.
