يبحر بنا المؤلف أحمد خير الدين بين دفات كتاب «بعلم الوصول» إلى عوالم إنسانية معقدة وغنية بخبرة التجارب، ونفوس بشرية تسكب أفراحها وأتراحها حبراً على أوراق الرسائل، تلقف الكاتب الحكي عن كل أصحاب هذه الرسائل التي ظل يجمعها لسنوات لينتهي بها المستقر داخل صفحات كتاب «بعلم الوصول».

الكتاب الصادر حديثاً عن دار الشروق في مصر، ينتمي إلى فئة أدب الرسائل، ويرسم خارطة لتغيّر المجتمع المصري من العشرينيات إلى تسعينيات القرن الماضي؛ اقتفى خلالها المؤلف أثر الأشواق والأماني التي انطبعت على أوراق الرسائل، لينقلها للقارئ بعد أن ظل شغوفاً بها لسنوات، فمن بين آلاف الرسائل وبعد عامين من البحث وُلِدَ هذا العمل الرشيق.

وقبل أن يرحل بك الكاتب إلى عالم «الجوابات» الثري بالحكايات الإنسانية، يوضح بداية علاقته بالرسائل، التي كانت وسيلة التواصل بينه وبين والده الذي كان يعمل في قطر عربي حينها، ثم تطوّرت علاقته بالرسائل القديمة عندما صادفه خبيئة رسائل في أحد مخازن الكتب القديمة، أثناء بحثه عن مواد أرشيفية لموضوع صحفي لدى أحد تجار الكتب القديمة.

يقول خير الدين: «التقطت إحدى الأوراق لأقرأ ما فيها فاكتشفت رسالة عابثة من صديق، وبجوارها رسالة أخرى من صديق آخر في أسيوط، وثالثة من صديقة في بيروت، جميعها لنفس الشخص، وبدأت الرحلة..».

ويوضح المؤلف في كتابه: «لم أكن عباس البوسطجي في قصة يحيى حقي، لكني شاركته الهوس بفتح الرسائل الواردة واكتشاف حياة البشر المحيطين به، أقارن بين الرسائل، وأقتفي أثر اللغة وتطورها بمرور الأيام، وأتأثر بتعبيرات أصحاب الخطابات عن مشاعرهم في علاقات الحب والأخوة والصداقة، ويمتد بي الهوس من تاجر إلى آخر ومن رسالة إلى آلاف.. تكدست الرسائل في أنحاء شقتي وباتت أكثر عدداً من الكتب والملابس، وأصبح باعة المقتنيات القديمة والكتب يسألون باندهاش: لماذا تجمع كل هذا؟ وبدأت أسأل نفس السؤال».

في حوالي 241 صفحة، عرض المؤلف نماذج الرسائل التي جمعها في رحلة هوايته لاقتناء الرسائل القديمة، التي تنتمي لعوالم متباينة، جميعها يشترك في سمة أساسية وهي العادية والتجرد، فربما تشعر أنك تقرأ في أحد أعمال أدب الاعتراف أكثر منه أدباً للرسائل، فجميع الأبطال مجهولون لا يخشون القارئ، وبالتالي يتحدثون دون حواجز أو قيود، المشاعر كما هي لأصحابها، دون تجمل أو ادعاء.