«لقد تهدّم البيت الذي بنيته بدمي وأفنيت فيه عمري، وقُتل الأعزاء والأصدقاء بدم بارد، وتشرّد الأطفال وترملت نساء عائلتي بلا مبرر أو ذنب.. حدث ذلك ذات ليلة دون أن نتمكن من الدفاع عن أنفسنا، جاءنا الغدر خلسة وفي أحقر صوره لنتجرع مجبرين مرارة الفقد والضياع.. وواجهنا الموت مرات ومرات بعد أن أجبرتنا يد البطش والقتل والانتقام على الهرب».
كانت هذه كلمات «أبو عبيدة» وهو يروي حكايته المفجعة للصحفي والكاتب المصري علاء البدري، الباحث في شؤون قضايا اللاجئين وضحايا الحروب، في كتابه الجديد «النكبة السورية»، وما تعرّض له السوريون منذ اندلاع كارثتهم المدوّية.
ويسرد البدري، في كتابه الذي صدر أخيراً، عن «كتاب اليوم»، إحدى روافد مؤسسة «أخبار اليوم» المصرية، مجموعة من قصص وروايات ضحايا الحرب والنكبة السورية الذين التقاهم على الحدود السورية الأردنية، وهي القصص الموجعة التي فضحت ما فعله أمراء الحرب وأطراف النزاع دون الاكتراث بجرائمهم في حق الشعب السوري.
ويصف «أبو عبيدة»، في حكايته، قصة هروبه هو وأسرته من سوريا إلى الأردن، حيث اضطر إلى تهريب أسرته المكوّنة من 10 أفراد أغلبهم من الأطفال على 4 مراحل، خوفاً من البطش والقتل والتنكيل التي يتعرض لها المدنيون.
ويقول: «الكثيرون يموتون كل يوم، ينكل بهم كل يوم، ولا أحد يحرك ساكناً، أما وسائل الإعلام فلا تعلن الحقيقة، فالذي يُنشر أو يذاع أو تبثه وكالات الأنباء العالمية هو مجرد رقم صغير لا يتناسب مع حقيقة ما يحدث».
ويفضح الكتاب في أحد فصوله، الدور المشبوه الذي تقوم به كل من قطر وتركيا وإيران، في تأجيج الصراع وزيادة حدّته واشتعاله، في مقابل الدور المصري الرصين الذي يعمل منذ اندلاع الأزمة على الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ومواجهة الجماعات الإرهابية، وهو الدور الذي يتسق مع الجهود السعودية والإماراتية في مواجهة الجماعات الإرهابية ومن يدعمها.
ويؤكد علاء البدري أن وقائع الحرب الدائرة هناك وشهادات الكثير من الخبراء العسكريين والسياسيين تشير إلى أن مقاتلي تلك الجماعات المسلحة مدعومون لوجستياً وعسكرياً ومادياً من أجهزة مخابرات وجماعات ودول عدة، على رأسها قطر وإيران وتركيا، إذ سهّلت لهم الأخيرة المرور والدخول الآمن إلى المناطق السورية، طمعاً في إسقاط الدولة السورية نفسها، وليس، كما يدّعون، إسقاط النظام السوري.
ويطرح الكتاب، في فصوله، تفسيرات وتحليلات عدة لما يحدث في سوريا، مفسّراً مكونات المنظمات والجماعات الإرهابية المسلحة والأدوار التي تقوم بها هناك وعلاقاتها الفاعلة ببعض أجهزة المخابرات والدول التي تسعى بكل طاقاتها لإطالة أمد الصراع السوري.
ويشير إلى أنه لم يكن أي مراقب للمشهد السوري أن يتخيل وقوع كارثة بمثل هذا الحجم من الفظاعة، فقد حصدت أرواح آلاف الأبرياء ودمرت البنية التحتية وأغلب المدن والمباني التاريخية، إضافة إلى تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد العربي العتيق بفعل الصراع المرير.
ويقول علاء البدري أسفاً: «أصبح البلد الشقيق مرتعاً للجماعات الإرهابية التي أتى أفرادها من شتى بقاع الأرض، وتحولت سوريا بمرور الوقت إلى حلبة صراع مصالح تتقاسمه دول وأجهزة مخابرات لا تولي أي اهتمام بقضايا البشر، وتداخلت ملامح الصورة في بعضها البعض، ولم يعد في الإمكان معرفة من يناضل من أجل الحق ومن يصارع من أجل أجندات خاصة».
