عوالم سفلية وروح فنان حرة

«جنازة لعماد حمدي»

في أواخر يونيو الماضي، صدرت رواية جديدة للروائي المصري وحيد الطويلة، عن دار الشروق للنشر.

الرواية التي تقع في نحو ثلاثمائة صفحة، يخوض فيها الكاتب صراعاً مع بطل استثنائي يعمل ضابطاً اسمه «فجنون»، تختلف شخصيته عن الصورة النمطية المعروفة عن ضباط الشرطة؛ فهو فنان مرهف المشاعر يرسم بريشته اللوحات، تتقاطع علاقته مع أحد أكبر المسجلين الخطرين، لتدور أحداث الرواية انطلاقاً من هذا الالتقاء.

أما أحداث الرواية نفسها فهي عالم غرائبي من الخارجين عن القانون بأنواعهم، في رحلة إلى عالم القاهرة السفلي بما يحتويه من إثارة ورهبة، حاول فيه «فجنون» مواجهة الإجرام والفساد معاً، حاملاً بداخله صراعه الذي يعذبه بين ميوله الفنية وبين إجبار أبيه له على الالتحاق بكلية الشرطة، لتظل روحه تبحث عن حريتها وسط هذا الصراع المحفوف بعالم الجريمة والحب والفن.

استخدم الطويلة في بنائه السردي تقنيات حميمية جعلت القارئ أكثر قرباً للكلمات وكأنها تعنيه هو بشكل مباشر، فكان ضمير المخاطب حاضراً في العمل، ثم إنه ينتقل برشاقة في السرد ليتحدث للقارئ مباشرة ويقول «احترس أيها القارئ» و«اسمعني جيداً» ثم يعود مجدداً لسرد تفاصيل الحكاية، بعدما ترك الشغف يتملك القارئ.

الرواية تُعد أيضاً متحفاً للشخصيات الثانوية، التي أضفت روحاً على العمل جعلته أكثر حيوية، أمثال «قنبل»، والمعلم شحتة، وعبقرينو، وغيرهم من الشخصيات التي نحتها الطويلة بمهارة نحات وروح أديب، ما جعلها تعلق في ذهن القارئ.

ربما يحمل عنوان الرواية شيئاً من الغموض أيضاً في ذهن القارئ، فما هي الرمزية التي يحملها العنوان؟ وما هو الحدث الذي يرتبط بعماد حمدي في هذا السردية؟ مع الاستمرار في القراءة ستكتشف أن مشهد جنازة عماد حمدي، كان ضمن أحداث الرواية التي استرجع فيها البطل بدايات عمله في جهاز الشرطة، وربما تحمل هذه المفارقة ثمة رمزية، ربما تحمل أكثر من وجه، فها هو الفنان العبقري عماد حمدي يرحل وحيداً في حين يحرس جنازته أحد رجال الأمن حاملاً في يده سلاحه وفي داخله روحاً تشبه روح الفنان الراحل، فمن هنا قد تولد جنازة جديدة لعماد حمدي.

استمراراً في انتهاج تقنية السرد التي جعلت القارئ قريباً إلى النص ينتهي الطويلة من مسألة العنوان، تاركاً الخيار للقارئ، فيدعوه للاختيار بين بعض العناوين مثل «جمال طبيعي»، و«عشاء خفيف للأم تريزا»، أو «نظرية الشبورة».

وحيد الطويلة هو روائي مصري، صدر له عدد من الروايات مثل «باب الهوى» و«حذاء فيلليني» والمجموعات القصصية أمثال «خلف النهاية بقليل» و«مائة غمزة بالعين اليسرى»، حصل على جائزة ساويرس في الإبداع عن روايته «باب الليل» عام 2015.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات