كتاب جديد للباحث الأكاديمي والفنان التشكيلي التونسي خليل قويعة، صدر أوائل العام الجاري، تحت عنوان «العمل الفني وتحوّلاته بين النظر والنظرية - محاولة في إنشائية النظر»، يطرح من خلاله جملة من القضايا الإشكالية، عبر ملامسته ثقافة الفنّ المعاصر في العالم، وبعض إشكاليّاته.
اشتغال إبداعي
ووفق كلمة الناشر: «ما عاد العمل الفني المعاصر حكراً على عبقرية المبدع الأصيل، بل يستمد مقومات وجوده من عرضه أمام الجمهور، ما يجعل النظر والمشاهدة والمشاركة أفعالاً من صميم الاشتغال الإبداعي، الذي يكون العمل الفني من خلاله عملاً فنياً، فالجمهور كف عن أن يكون متقبلاً عرضياً، إلى حد القول إن الناظر هو ما يصنع اللوحة، وتمحورت التحولات القيمية والمفاهيمية، التي أجلت طلائعية الفن المعاصر، وشكلت أطروحاته حول إعادة ترتيب منزلتي النظر والناظر، بينما كانت المراحل السابقة، تؤسس مشروع العمل الفني، بالنظر إلى مركزية مبدعه الأصيل في العملية الإبداعية، فجرى إعلاء جمالية الإنتاج على حساب جمالية التلقي».
مفهوم
من هذا المنطلق، يتناول هذا الكتاب مفهوم النظر في ثقافة الفكر الجمالي، والعمل الفني نفسه بين النظر والنظرية، ودور النظر في التأسيس الإنطولوجي للعمل الفني، وما يترتب على النظر عندما يصبح معرفة وفكراً، فعندما يصنع المفهوم العمل الفني، يؤكد قدرة النظر على أن يصنع النظرية، لأنه ما عاد مكتفياً بالإبصار، بل يشمل أيضاً عمليات إنتاجية وذهنية داخل الآلة العصبية، على نحو ما ظهر من نظريات الإدراكيين، أو في مخابر فيزيولوجيي العين والجهاز العصبي، أو حتى في نظرية اللون والضوء.
إنجاز جدلي
ومن خلال الكتاب، يسعى خليل قويعة، وهو أستاذ الجماليات ونظريات الفن بالمعهد العالي للفنون والحِرف، جامعة «صفاقس» (تونس)، وباحث بمخبر (LARA) بجامعة «تولوز 2» (فرنسا)، إلى تكريس رؤيته لدور المتلقي في تحديد معالم الإبداع، وإعادة بلورة العمل الفني، كمشارك في تأسيس الرؤية الإبداعية من داخلها، لا كمجرد ناظر إليها من خارجها، فالإبداع في نظر المؤلف، لم يعد عملية أحادية لصاحبه المركزي، وإنما هو إنجاز جدلي تتقاطع فيه عبقريتان: عبقرية المبدع، وعبقرية قارئ الإبداع، وتندمجان معاً، حيث تتداخل النظرية مع النظر، لتحديد وتأكيد معالم خصوبة العمل الفني. وما يزيد من أهمية هذه الرؤية، أنها تصدر عن باحث أكاديمي، هو في ذات الوقت فنان تشكيلي صاحب منجز يحسب له، وشاعر حاول دائماً أن يجعل من لوحته القصيدة التي يشرع نوافذها على العالم وما وراءه.
