يهدف كتاب «مكانة النفس في الشعر والعقيدة» للباحثة السعودية نورة آل سرور إلى مخاطبة النفس البشرية كونها مركز الكون، وكل شيء خلقه الله يدور حولها. ومن أجل تهذيبها، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى»، ويقول الشاعر:

وَالـنَفسُ راغِـبِةٌ إِذا رَغَّـبتَها فَإِذا تُـرَدُّ إِلـى قَـليلٍ تَقنَعُ

وأما المتصوف الشهير أحمد بن خضرويه البلخي فإن له هذه المقولة: «أمت نفسك حتى تحييها».

ورأت آل سرور أن الفلاسفة العرب تأثروا بالفلسفة اليونانية إلى حد كبير، واعتمدوا في أبحاثهم على نظريات الفلسفة اليونانية القديمة، فساروا على خطواتها وقاموا بالإضافة عليها، ولكن كان لها نهجها الخاص الذي اعتمدت فيه على التوفيق بين كل من الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية، فاستمدوا من الفكر الإسلامي ما جاء في القرآن الكريم عن النفس، وما ورد في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم عن النفس، وعن الآخرة وما تلاقيه النفس الإنسانية بعد خروجها من الحياة الدنيا.

وقالت: نجد آراء الفيلسوف ابن سينا مثلاً لها صدى كبير جداً لأنها أحدثت تأثيراً كبيراً في الفكر الأوروبي، وذلك في القرون الوسطى، فبدأ ابن سينا باستخدام الأدلة والبراهين التي تبرهن على وجود النفس، ومن تلك الأدلة التي اعتمد عليها ابن سينا وذكرها حركة الجسم، فالدافع الذي يجعل الجسم يتحرك هو وجود النفس، ومن الأدلة أيضاً التي تبرهن على وجود النفس هي صفات الإنسان التي توجد عند الإنسان ولا توجد عند الحيوان مثل الذكاء، والحياء، واللباقة في الحديث، والابتسام، فالسبب الأساسي في وجود تلك الصفات التي تميز الإنسان هي النفس الإنسانية.

وأشارت آل سرور إلى أنه من الأدلة أيضاً التي برهن بها على وجود النفس هي أن النفس والبدن مختلفان عن بعضهما البعض، فالنفس غير قابلة للتحلل والفناء بينما البدن قابل لذلك، ومن ثم فإن النفس والبدن متغايران، كما أن النفس وحدة واحدة لا تتعدد بينما تتعدد وظائفها، حيث إن النفس بدورها تقوم بتنظيم تلك الوظائف، وتؤلف فيما بينها، وتجعلها وحدة واحدة متماسكة.

وكان لابن سينا برهان مشهور أسماه «الرجل الطائر أو الرجل المعلَّق»، هذا البرهان يقوم على الافتراض بأن الإنسان لو خلق دفعة واحدة، ثم طار هذا الإنسان أو تعلق في الهواء وجرَّد من المحسوسات والمعقولات فلم يستطع هذا الرجل أن يشعر بأي شيء من أعضائه الداخلية أو الخارجية، ولا يراها... فماذا هو فاعل؟

سيظل يشعر ويعرف نفسه ولن يغفل عن ذاته. من ثم اعتمد ابن سينا على كل تلك البراهين التي تبرهن على وجود النفس، وبالفعل استطاع أن يستدل على وجودها وأقر بأنها مغايرة للجسم، فهي تستطيع البقاء من دون جسد، ولكنها مع ذلك في كل الأحوال لا توجد قبل الجسد بل هي تولد معه وتستمر، وبسبب عدم ارتباطها بالجسم واستطاعتها أن توجد منفصلة عن الجسد كل ذلك جعلها تستطيع البقاء من دون الجسد بعد فنائه، وأرجأ طرق المعرفة في النفس إلى الإدراك والحواس الخمس.