«وحيد مغاربة».. إبداع صامت - البيان

رحلة طويلة بين الأصالة والمعاصرة

«وحيد مغاربة».. إبداع صامت

وحيد مغاربة فنان متميّز، استطاع أن يجمع في لوحته براعة التكوين وروعة التلوين إلى جانب الأصالة المستمدة من الموروث المحلي، وهو يحمل سمات الأصالة المتجلية في التصوير العربي عبر أسلوب فني معاصر متوازٍ مع اللغة التشكيلية العالمية.

وفي كتاب «وحيد مغاربة.. مسيرة الإبداع بين التأصيل والتحديث»، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب في سوريا، يستعرض الناقد طاهر البني مسيرة الفنان الذي وإن لم يتلقَّ تعليماً رسمياً في معهد أو أكاديمية فنية حين أقام أوّل معرض له عام 1961 في مدينة حلب، لكنه كان يتمتع بموهبة حقيقية ظهرت في أعماله التصويرية الأولى التي أدهشت الوسط الفني الثقافي، ووجد في نتاجه إيقاعاً خاصاً يستمد مقوماته من البيئة المحلية عبر رؤية متفردة في صياغة الشكل ممّا أتاح له فرصة المشاركة في عدد من المعارض العامّة والمشتركة بلوحات تظهر شغفه بالفنون المحلية وحرصه على استظهارها والإفادة من حلولها التشكيلة.

لقد لعبت البيئة الشعبية في مدينة حلب دوراً فاعلاً في تكوينه الروحي والنفسي، فقد عاش طفولته في أحد الأحياء الشعبية في مدينة حلب عام 1942، وأتمّ دراسته الابتدائية فيه، وكان يصرف جل وقته في الرسم، وكان يحب العزلة، حتى كان يمضي وقته وحيداً بين أوراقه وألوانه، وحين اجتاز الإعدادية إلى الثانوية اختار الفرع الأدبي الذي يتوافق مع حبّه للأدب والفن والشعر.

حين حصل على شهادة الدراسة الثانوية انصرف إلى تدريس مادة التربية الفنية في مدارس حلب، ما وفر له المال لشراء الألوان، وراح يتقرَّب من الأوساط الفنية والثقافية، فتعرف إلى طالب يازجي – رولان خوري – وليد إخلاصي – الذي كتب عن الفنان وحيد مغاربة: «كانت زيارته هي الأولى لي، وحينها تحدثنا عن لوحات صغيرة مرسومة على الورق المقوى والبورسلين، فأذكر أنني سألته: لماذا ترسم؟ فلم يجبني، وظل مدّة يتأمل ألوانه الصارخة والبدائية، فأعدت السؤال عليه، فقال: لا أستطيع إلا أن أرسم».

لم يتخلَّ وحيد عن دأبه في مسيرته نحو هدفه في الابتكار وابتداع الأشكال، وتوظيف التقنيات المختلفة في صياغة لوحته مستفيداً من التجارب المتميزة في الفن العالمي، الأمر الذي ظهر في لوحاته مطلع السبعينيات، حيث تظهر التقسيمات والقطوع والزوايا تأثيرات التكعيبية في بنية الأشكال وتداخلها، وانتقال الضوء والظل بين المساحات المتجاورة التي تخفي جانباً من الأشكال، وتبدي جانباً آخر متباعدة عن المباشرة ومفسحة المجال للمخيلة في متابعة الشكل وتصوير تفاصيله المتماهية في غياهب الظلال والمتعة.

برزت براعة الفنان وحيد مغاربة في الأعمال الغرافيكية التي صور فيها العلامة خير الدين الأسدي والفنان لؤي كيالي بخطوط رشيقة تنسج الملامح الشخصية والنفسية بكثير من القوة والرهافة.

امتدت دائرة نشاطه إلى بيروت، حيث أقام معرضاً في صالة دار الآداب، وأقام في السنة نفسها معرضاً مشتركاً مع الفنان لؤي كيالي في صالة الأدب والفن في بيروت، وقد كتب عنه الناقد اللبناني سمير صايغ في صحيفة الأنوار ما يلي: «نحن أمام فنان شاب لا يخاف أن يتأمل، ولا يخاف أن يغامر، ولا يخاف أن يعترف بما يوسوس له الحلم أثناء الليل أو أثناء النهار».

وفي عام 1975، سافر إلى روما وانتسب إلى أكاديمية الفنون الجميلة، وشرع ينهل من ينابيع الفن، ويشاهد المعارض في الصالات والمتاحف، ويتعرف روائع فن التصوير والنحت، ويستمتع برؤية مئات التماثيل المنتشرة في كلّ مكان، وهي تفصح عن روعة الفن، وتنطق بآيات السحر والجمال.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات