«القرن المحلّق»..أدب ما بعد الاستعمار

يتحدث الدكتور مصطفى جمعة عطية في كتابه «القرن المحلّق» عن أدب ما بعد الاستعمار، حيث انهارت الإمبراطوريات تحت نير الدول المستعمرة الغربية، ما استتبع تغيير الخرائط الجغرافية، فتتابع جلاء المحتل الأجنبي عن عشرات الأقطار في قارات العالم، وتسليم السلطة إلى حكومات وطنية.

ويستند خطاب ما بعد الاستعمار إلى النظرية الثقافية الجديدة، ولا شك أنه يتلاقى مع حركة ما بعد الحداثة التي تأسست على تفكيك السرديات الكبرى لخطاب المركزية الغربية في قراءتها للعالم والتاريخ وثقافات الشعوب، فأحيطت بهالة علمية كبيرة، ما أدى إلى إرساء تقاليد وخطابات ومعلومات تضاد الواقع، وتقدمه في صورة مزيفة.

ومن البلدان التي شملتها مفاهيم الاستشراق البلدان الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى، وفي منطقة القرن الإفريقي تحديداً، وقد نظر الاحتلال الأجنبي إلى هؤلاء على أنهم يعيشون حياة بدائية لا تستحق أن يهتم الرجل الأبيض المتحضر بها كثيراً، والآفة الثانية تأخر هذه الشعوب وعدم مواكبتها للتطور الحديث.

وفي هذا الصدد، يتناول المؤلف أحد نماذج رواد النهضة الثقافية، الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يعد من أهم الروائيين في القارة الإفريقية، وقد قضى جلّ سنوات عمره في أراضي المهجر. وُلد فرح في عام 1949 م في «بيداوا» في الصومال، وحين بلغ سن الرابعة أرسل إلى المدرسة القرآنية، ثم أكمل تعليمه في منطقة «كلافو»، وقد شهد الصراع المسلح حول إقليم «آوغادين»، وظهر ذلك في رواياته، ورأى كيف يتقاتل أبناء الأرض والجيرة على تقسيمات أوجدها الاستعمار قبل رحيله.

خلال السنوات الأربع من العام 1966 إلى العام 1970، سافر إلى جامعة البنجاب في الهند، حيث درس الفلسفة والأدب وعلم النفس، وحصل على الدرجة الجامعية الأولى، وتعرف هناك إلى زوجته الطالبة الهندية التي التقاها في إقليم البنجاب.

عاد إلى وطنه ثم سافر إلى جامعة لندن، في عام 1974، ونال من جامعة إيسيكس درجة الماجستير في المسرح، وفي العام 1990 سافر إلى برلين لإكمال الدراسة. وعن حياته الحالية فهي في مدينة «كيب تاون» بجنوب إفريقيا وهو يزور وطنه الصومال باستمرار.

جاءت كتاباته مهتمة بقضايا الحريات وحقوق الإنسان، وطالب بتحرير المرأة في فترة ما بعد الاستقلال، وتعدّ روايته «خرائط» أهم رواية بإجماع النقاد، وقد كتبها عام 1986.

يعتمد السرد في هذه الرواية على شخصية رئيسية، وهي الفتى «عسكر»، نشأة وتربية، فكراً وسلوكاً، آمالاً وآلاماً، فهي رواية شخصيات، تدور الأحداث في فلكها، وما يعن في نفسها من خواطر، وما تطرحه من أسئلة تتصل بوجودها في الحياة، لنكتشف أنّ هذا الفتى مختلف في تكوينه عن بقية أترابه في مجتمعه. وتمثل رواية «خرائط» نموذجاً حياً لأدب ما بعد الاستعمار.

وقد احتفى كثيراً بقضايا المرأة، وهي من القضايا التي تنال تعاطف الغرب، لكنه أغفل أنّ مكانة المرأة وتحسين وضعها مرتبطان بالثقافة السائدة والوعي العام في المجتمع، وانتشار قيم حقوق الإنسان التي تؤدي بدورها إلى تمتع الرجل والمرأة والطفل والشيخ بحقوقهم على السواء.

تعليقات

تعليقات