يكشف الدكتور سيِّد علي إسماعيل في كتابه «محمود مراد رائد المسرح المدرسي» عن سيرة واحد من الرواد كاد يطويه غبار النسيان.
وذلك بعد ثلاثة وتسعين عاماً من وفاته، إذ يعتبر المؤلف والموسيقي والمخرج المسرحي محمود مراد أول من أدخل الجماعات الموسيقية والمسرحية رسمياً في المدرسة الخديوية عام 1919، بوصفها نشاطاً فنياً، وهو صاحب العرض المسرحي الذي قُدم على مسرح حديقة الأزبكية أمام مجلس الوزراء عام 1922، وصاحب أكثر من عشرين مسرحية قدَّمها مع طلاب مدرسته؛ ومنها:

مسرحية «شرف الأسرة» التي مثلتها فرقة جورج أبيض، ومسرحية «العبرة» التي مثلتها فرقة سيد درويش. وكان مراد أيضاً أوَّل مندوب يزور أوروبا بوصفه مندوباً فنياً للحكومة المصرية عام 1923، وأوَّل مبعوث مصري وعربي يدرس المسرح المدرسي في أوروبا عام 1924، كما أنه صاحب مقترح لافتتاح معهد التمثيل في مصر، وأوَّل من أدخل المسرح والموسيقى ضمن المقررات الدراسية في المدارس الحكومية المصرية.
بدأت علاقة مراد بالمسرح المدرسي عندما مثّل هو وابنته مسرحية «قصة مدينتين» لشارلز ديكنز في المدرسة الخديوية، ويذكر الأديب يحيى حقي، وهو أحد تلاميذ محمود مراد، في مقال نشره في كتابه «مدرسة المسرح»، أنه أوَّل أستاذ أنشأ في مدرسته فرقة تمثيلية تتألف من التلاميذ، وهي «الفرقة المسرحية للمدرسة الخديوية» في سنة 1919.
وكان من بين التلاميذ الذين اشتركوا في إقامة الحفلة محمد صلاح وزير الخارجية السابق، وأبو بكر خيرت وأخوه عمر. حتى جاء يوم 6 نوفمبر 1922 حيث أصدرت وزارة المعارف قراراً رسمياً أجازت فيه إنشاء الفرقة. وفي يوم الجمعة 19 يناير 1923 تمَّ عرض أوَّل مسرحية «مجد رمسيس» من تأليف وتلحين محمود مراد،.
وحضر العرض يحيى إبراهيم باشا وزير المعارف. كما ينقل الكاتب توثيقاً لتلك الفترة نقله الباحث والمؤرِّخ المسرحي د. سيِّد إسماعيل ينص فيه على أنَّ الأديب فتحي رضوان نشر مقالة في يناير 1978 بمجلة «الثقافة» قال فيها: إنَّ نص الأوبريت لم يصبح عربياً إلا على يد محمود مراد، وإنَّ مسرحية «مجد رمسيس» كانت حدثاً فنياً وتربوياً سبق عهده بكثير.
وتوالت أعمال محمود مراد بعد ذلك، بحسب الكتاب، إذ كتب ومثَّل أوبرا «توت عنخ أمون»، ومسرحية «في سبيل المبدأ». كما ترجم للمسرح الاحترافي عن الفرنسية أوبريت «البروكة»، وكتب بعدها مسرحية «العبرة»، وهي رواية مصرية اجتماعية من نوع الكوميدي درامتيك في خمسة فصول.
لم يمهل الزمن محمود مراد ليكمِّل مشروعه، فتوفي يوم 29-11-1925 وهو في عمر الـ37 سنة، وكان الكثير من المسرحيين والمثقفين قد رثوه؛ إذ كتب الناقد المسرحي محمد عبد المجيد حلمي رئيس تحرير «مجلة المسرح»: لماذا تجاهل التاريخ محمود مراد؟
ولماذا لم نسمع عنه بعد وفاته رغم ريادته فيما قام به من أمور غير مسبوقة؟ إنه رجل أقام ثورة في برامج الدراسة، وقلب التعليم رأساً على عقب، فسماه الناس بـ«المصلح الكبير». الرجل مات وهو يخدم وزارة المعارف، وهو الذي أنار السبيل للوزير، وأفنى نفسه في سبيل خدمة هذه الوزارة، ثم مات تاركاً خمسة أطفال صغار لا يملكون شيئاً! يتركهم مراد بلا عائل ولا موئل.
